للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

٣ - ومنها: التنبيه على أنه ينبغي للإنسان أن يكون فطناً ذا حزم، ودقة نظر؛ لأن الله وصف هذا الذي لا يعلم عن حال هؤلاء بأنه جاهل؛ فقال تعالى: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف}؛ فينبغي للإنسان أن يكون ذا فطنة، وحزم، ونظر في الأمور.

٤ - ومنها: إثبات الأسباب؛ لقوله تعالى: {من التعفف}؛ فإن {من} هنا سببية؛ أي بسبب تعففهم يظن الجاهل بحالهم أنهم أغنياء.

٥ - ومنها: الإشارة إلى الفراسة، والفطنة؛ لقوله تعالى: {تعرفهم بسيماهم}؛ فإن السيما هي العلامة التي لا يطلع عليها إلا ذوو الفراسة؛ وكم من إنسان سليم القلب ليس عنده فراسة، ولا بُعد نظر يخدع بأدنى سبب؛ وكم من إنسان عنده قوة فراسة، وحزم، ونظر في العواقب يحميه الله سبحانه وتعالى بفراسته عن أشياء كثيرة.

٦ - ومنها: الثناء على من لا يسأل الناس؛ لقوله تعالى: {لا يسألون الناس إلحافاً}؛ وقد كان من جملة ما بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه: ألا يسألوا الناس شيئاً؛ حتى إن الرجل ليسقط سوطه من على بعيره، فينزل، فيأخذه ولا يقول لأخيه: أعطني إياه (١)؛ كل هذا بعداً عن سؤال الناس.

والسؤال - أي سؤال المال - لغير ضرورة محرم إلا إذا علمنا أن المسؤول يفرح بذلك ويُسَر؛ فإنه لا بأس به؛ بل قد يكون السائل مثاباً مأجوراً لإدخاله السرور على أخيه؛ كما لو سأل إنسان صديقاً له يعرف أنه يكون ممتناً بهذا السؤال؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في اللحم الذي على البرمة: «هو على بريرة صدقة؛ ولنا هدية» (٢).

٧ - ومن فوائد الآية: بيان عموم علم الله؛ لقوله تعالى: {وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم}؛ فأيّ خير يفعله العبد فإن الله به عليم.

القرآن

{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)} [البقرة: ٢٧٤]

التفسير:

الذين يُخْرجون أموالهم مرضاة لله ليلا ونهارًا مسرِّين ومعلنين، فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا. ذلك التشريع الإلهي الحكيم هو منهاج الإسلام في الإنفاق لما فيه مِن سدِّ حاجة الفقراء في كرامة وعزة، وتطهير مال الأغنياء، وتحقيق التعاون على البر والتقوى؛ ابتغاء وجه الله دون قهر أو إكراه.

اختلفوا في سبب نزولها على ستة أقاويل (٣):

أحدها: أنها نزلت في عليٍّ كرم الله وجهه، كانت معه أربعة دراهم فأنفقها على أهل الصفّة، أنفق في سواد الليل درهماً، وفي وضح النهار درهماً، وسراً درهماً، وعلانية درهماً، قاله ابن عباس (٤) ومقاتل (٥)، والكلبي (٦)، ومجاهد بن جبر (٧).


(١) راجع صحيح مسلم ص ٨٤٢، كتاب الزكاة، باب ٣٥: كراهة المسألة، حديث رقم ٢٤٠٣ [١٠٨] ١٠٤٣.
(٢) أخرجه البخاري ص ١١٨، كتاب الزكاة، باب ٦١: الصدقة على موالي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، حديث رقم ١٤٩٣، وأخرجه مسلم ص ٨٤٩، كتاب الزكاة، باب ٥٢، إباحة الهدية للنبي صلى الله عليه وسلم ولبني هاشم وبني المطلب ... ، حديث رقم ٢٤٨٥ [١٧٠] ١٠٧٤.
(٣) أنظر: أسباب النول للواحدي: ٩٠ - ٩١، والعجاب في بيان الأسباب: ١/ ٦٣٤ - ٦٣٥، والنكت والعيون: ١/ ٣٤٧.
(٤) أخرجه الواحدي في أسباب النزول: ٩٢، بسند حسن، ورواه الطبراني في المعجم الكبري (١١١٦٤): ص ١١/ ٩٧، وأورده الهيثمي في المجمع: ٦/ ٣٢٤، وقال: "فيه عبد الوهاب ابن مجاهد وهو ضعيف" وهو من طريق عبد الرزاق، وانظر: الدر المنثور: ٢/ ١٠٠.
(٥) انظر: تفسيره: ١/ ١٤٥، والعجاب في بيان الأسباب: ١/ ٦٣٤.
(٦) أنظر: أسباب النول للواحدي: ٩٢.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٨٣): ص ٢/ ٥٤٣. قال ابن كثير: ضعيف: ١/ ٧٠٨. وانظر تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>