للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفي تفسير قوله تعالى {أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ} [البقرة: ٢٧٣]، أربعة أقاويل (١):

أحدها: حَصَروا أنفسهم في سبيل الله للغزو، أي: أنهم منعوا أنفسهم من التصرف للمعاش خوف العدو من الكفار، قاله قتادة (٢)، وابن زيد (٣). ورجحه الطبري (٤).

والثاني: منعهم الكفار بالخوف منهم، قاله السدي (٥).

والثالث: منعهم الفقر من الجهاد. يعني: أن فقرهم وضعفهم منعهم من السفر لجهاد العدو ومقارعته (٦). وهو محتمل.

والرابع: منعهم التشاغل بالجهاد عن طلب المعاش. اختاره الحافظ ابن حجر (٧).

قال الشنقيطي: " لم يبين هنا سبب فقرهم؛ ولكنه بين في سورة الحشر أن سبب فقرهم هو إخراج الكفار لهم من ديارهم وأموالهم بقوله: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} [الحشر: ٨] الآية " (٨).

قوله تعالى: {لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ} [البقرة: ٢٧٣]، "أي: لا يستطيعون بسبب الجهاد السفر في الأرض للتجارة والكسب" (٩).

قال القاسمي: " أي ذهابا فِي {الْأَرْضِ} لاكتساب أو تجارة" (١٠).

قال الآلوسي: " أي مشيا فيها وذهابا للتكسب والتجارة" (١١).

قال الطبري: " لا يستطيعون تقلُّبًا في الأرض، وسفرًا في البلاد، ابتغاءَ المعاش وطَلبَ المكاسب، فيستغنوا عن الصدقات، رهبةَ العدوّ وخوفًا على أنفسهم منهم" (١٢).

قال ابن كثير: " يعني: سفرًا للتسبب في طلب المعاش. والضرب في الأرض: هو السفر؛ قال الله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} [النساء: ١٠١]، وقال تعالى: {


(١) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥٩٢ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٣٤٦.
(٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٢١٥): ص ٥/ ٥٩٢.
(٣) أنظر: تفسير الطبري (٦٢١٦): ص ٥/ ٥٩٢.
(٤) أنظر تفسيره: ٥/ ٥٩٠.
(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٢١٧): ص ٥/ ٥٩٢. قال الطبري: " ولو كان تأويل الآية على ما تأوله السدّيّ، لكان الكلام: للفقراء الذين حُصروا في سبيل الله، ولكنه " أحصِروا "، فدلّ ذلك على أن خوفهم من العدوّ الذي صيَّر هؤلاء الفقراء إلى الحال التي حَبَسوا - وهم في سبيل الله - أنفسَهم، لا أنّ العدوَّ هم كانوا الحابِسِيهم.
وإنما يقال لمن حبسه العدوّ: " حصره العدوّ "، وإذا كان الرّجل المحبَّس من خوف العدوّ، قيل: " أحصره خوفُ العدّو ". [تفسيره: ٥/ ٥٩٢].
(٦)، انظر: جامع البيان للطبري: ٥/ ٥٩٣، البسيط للواحدي: ١/ ١٦٣ أ، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٣٣٨، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٣٢٨، الكشاف للزمخشري: ١/ ٣٩٨، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٣٤٦، مفاتيح الغيب للرازي: ٧/ ٨٦، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٤٠٠، الدر المصون للسمين: ١/ ٦٥٥.
(٧) الفتح: ٣/ ٤٠٠. ولفظه: ": "منعهم الاشتغال به من الضرب في الأرض-أي: التجارة-؛ لاشتغالهم به عن التكسب". وظاهر صنيع الحافظ هنا التفريق بين (حصر) و (أحصر)، وأن الإحصار: يكون بالعدو، والحصر: يكون بغيره من الأعذار، كما هو تفسير السدي وغيره. انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥٩١، البسيط للواحدي: ١/ ١٦٣ أ، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٣٣٧ - ٣٣٨، الكشاف للزمخشري: ١/ ٣٩٨، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٣٣٠، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٣٤٠ - ٣٤١.
(٨) أضواء البيان: ١/ ١٥٩.
(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٦.
(١٠) محاسن التأويل: ٢/ ٢١٢.
(١١) روح المعاني: ٢/ ٤٥.
(١٢) تفسير الطبري: ٥/ ٥٩٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>