أنَّ يده هي اليد السُّفلى، وأنَّه لا شيءَ له؛ فيزهدون في معاملته ومعاوَضته، وهذا قدرٌ زائدٌ من الإحسان إليه لمجرد الصَّدَقة، مع تضمُّنه الإخلاص ... " (١).
وقد اختلفوا: هل الأفضل إظهار الصدقات أم إخفاؤها، وفيه وجوه (٢):
أحدها: إسرار صدقة التطوع أفضل مِن إظهارها، لأنه من الرياء أبعد، فأما الزكاة فإبداؤها أفضل، لأنه من التهمة أبعد، وهو قول ابن عباس (٣)، وسفيان (٤)، وأبو جعفر (٥).
وحكى الطبري الإجماع على إظهار الصدقة المفروضة، واختاره، القاضي أبو يعلى (٦).
قال ابن حجر: " وأما الآية فظاهرة في تفضيل صدقة السر" (٧).
وقال القرطبي: " مثل هذا لا يقال من جهة الرأي وإنما هو توقيف، وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"(٨)، وذلك أن الفرائض لا يدخلها رياء والنوافل عرضة لذلك، وروى النسائي عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الذي يجهر بالقرآن كالذي يجهر بالصدقة والذي يسر بالقرآن كالذي يسر بالصدقة"(٩)، وفي الحديث:"إن صدقة السر تطفئ غضب الرب"(١٠)" (١١).
قال ابن العربي: "وليس في تفضيل صدقة العلانية على السر، ولا تفضيل صدقة السر على العلانية حديث صحيح ولكنه الإجماع الثابت، فأما صدقة النفل فالقرآن ورد مصرحا بأنها في السر أفضل منها في الجهر، بيد أن علماءنا قالوا: إن هذا على الغالب مخرجه، والتحقيق فيه أن الحال في الصدقة تختلف بحال المعطي لها والمعطى إياها والناس الشاهدين لها. أما المعطي فله فيها فائدة إظهار السنة وثواب القدوة" (١٢).
ثم قال القرطبي: "هذا لمن قويت حاله وحسنت نيته وأمن على نفسه الرياء، وأما من ضعف عن هذه المرتبة فالسر له أفضل، وأما المعطى إياها فإن السر له أسلم من احتقار الناس له، أو نسبته إلى أنه أخذها مع الغنى عنها وترك التعفف، وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم، من جهة أنهم ربما طعنوا على المعطي لها بالرياء وعلى الآخذ لها بالاستغناء، ولهم فيها تحريك القلوب إلى الصدقة، لكن هذا اليوم قليل" (١٣).
(١) تفسير ابن القيم: ١٧٠. (٢) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٤٥. (٣) أنظر: تفسير الطبري (٦١٩٧): ص ٥/ ٥٨٣، وابن ابي حاتم (٢٨٤٧): ص ٢/ ٥٣٦. (٤) أنظر: تفسير الطبري (٦١٩٨): ص ٥/ ٥٨٣. (٥) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٨٤٤): ص ٢/ ٥٣٥. ولفظه: ": {إن تبدوا الصدقات فنعما هي} يعني: الزكاة المفروضة". وتفسير ابن أبي حاتم (٢٨٥٠): ص ٢/ ٥٣٧. ولفظه: " وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء يعني: التطوع". (٦) أنظر: البحر المحيط: ٢/ ٢٤٤، وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠١. (٧) الفتح: ٣/ ٣٣٩. أي: إذا أعطيت للفقراء وذوي الحاجات لقوله-عز وجل-: (وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)، أما إذا صرفت الصدقة لغير الفقراء كالمشاريع الخيرية ونحوها فليس في الآية ما يدل على فضيلة صدقة السر، والأمر خاضع للمصلحة، فإذا لم يخش المتصدق على نفسه رياء، وكان في إظهارها أسوة وتنشيطاً لذوي الأموال في البذل والعطاء، كان الإظهار أفضل، والله أعلم. انظر: جامع البيان للطبري: ٥/ ٥٨٤، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٣٣١ - ٣٣٢، الكشف والبيان للثعلبي: ١/ ١٨٧ ب، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٩٩، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٤٣٣، تيسير الكريم الرحمن للسعدي: ٩٦ وغيرها. (٨) صحيح البخاري (٦٨٦٠): ص ٦/ ٢٦٥٩. (٩) سنن النسائي (١٦٦٣): ص ٣/ ٢٢٥. (١٠) المعجم الكبير (١٠١٨): ص ١٩/ ٤٢١. (١١) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٣٢. (١٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣. (١٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٣٤. وللعِزُّ بن عبدالسَّلام كلام نفيس في تفاوُتِ فضلِ الإسرار والإعلان بالطَّاعات، إذ يقول: "فإن قيل: هلِ الإخفاءُ أفضلُ من الإعلان؛ لما فيه من اجتناب الرِّياء، أو لا؟ فالجوابُ: أن الطَّاعات ثلاثةُ أَضْرُبٍ: أحدها: ما شُرِعَ مجهورًا، كالأذان والإقامة والتَّكبير، والجَهْر بالقراءة في الصَّلاة والخُطَبِ الشرعية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الجمعة والجماعات، وغير ذلك، فهذا لا يُمكن إخفاؤه، فإن خاف فاعِلُه الرِّياءَ؛ جاهَدَ نفسَهُ في دَفْعِهِ إلى أن تحضره نيَّةُ الإخلاص، فيأتي به مُخْلَصًا كما شُرِعَ؛ فيَحْصُل على أَجْرِ ذلك الفعل، وعلى أَجْرِ المُجاهِد؛ لما فيه من المصلحة المتعدِّية. الثاني: ما يكون إسرارُهُ خيرًا من إعلانه، كإسرار القراءة في الصلاة، وإسرار أَذْكارها، فهذا إسرارُهُ خيرٌ من إعلانه. الثالث: ما يُخفَى تارةً ويُظهَرُ أخرى، كالصَّدَقات، فإنْ خاف على نفسه الرِّياء، أو عَرَفَ ذلك مِن نفسه، كان الإخفاء أفضلَ من الإبداء؛ لقوله - تعالى: {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لُكُمْ} [البقرة: ٢٧١] " [قواعد الأحكام: ١/ ١٥٢].