للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

اللَّه، ومن الوقوع في المعاصي والآثام، والقرآن والإنجيل وجميع الكتب السماوية أنزلها اللَّه تتضمن ما يمنع الناس من الوقوع في الشرك وكل منكر وقبيح.

ومن فسر الحكمة بالمعرفة فهو مبني على أن المعرفة الصحيحة فيها معنى المنع، والتحديد، والفصل بين الأشياء، وكذلك الإتقان، فيه منع للشيء المتقن من تطرق الخلل والفساد إليه، وفي هذا المعنى قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه اللَّه -: "الإحكام هو الفصل والتمييز والفرق والتحديد الذي به يتحقق الشيء ويحصل إتقانه؛ ولهذا دخل فيه معنى المنع كما دخل في الحد بالمنع جزء معناه لا جميع معناه" (١).

واختلف أهل التفسير في {الْحِكْمَةَ}، في هذا الموضع، على وجوه (٢):

أحدها: الفقه في القرآن، قاله ابن عباس (٣)، وقتادة (٤)، وأبي العالية (٥)، ومجاهد (٦)، وروي نحوه عن أبي الدرداء (٧)، ومقاتل (٨)، والحسين بن واقد (٩).

والثاني: العلم بالدين، قاله ابن زيد (١٠)، ومالك (١١).

قال الصابوني: " أي يعطي العلم النافع المؤدي إِلى العمل الصالح من شاء من عباده" (١٢).

والثالث: النبوّة. قاله السدي (١٣)، وأبو سنان (١٤).

والرابع: الخشية، قاله الربيع (١٥)، وأبو العالية (١٦)، وسعيد بن جبير (١٧)، وروي نحوه عن مطر بن الوراق (١٨).

والخامس: الإصابة في القول والفعل، قاله مجاهد (١٩).

قال الزمخشري: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ}، أي: "يوفق للعلم والعمل به" (٢٠).


(١) مجموعة الرسائل الكبرى، لابن تيمية، ٢/ ٧.
(٢) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥٧٦ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٣٤٤ - ٣٤٥.
(٣) أنظر: تفسير الطبري (٦١٧٧): ص ٥/ ٥٧٦، و (٦١٨٢): ص ٥/ ٥٧٧، وابن ابي حاتم (٢٨٢٢): ص ٢/ ٥٣١.
(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦١٧٨)، و (٦١٧٩): ص ٥/ ٥٧٦، ونحوه ابن أبي حاتم (٢٨٣٣): ص ٢/ ٥٣٣، و (٢٨٣٤): ص ٢/ ٥٣٣، ولفظه: " القرآن".
(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦١٨٠): ص ٥/ ٥٧٦ - ٥٧٧.
(٦) أنظر: تفسير الطبري (٦١٨١): ص ٥/ ٥٧٧، وابن ابي حاتم (٢٨٢٣): ص ٢/ ٥٣١.
(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٣١): ص ٢/ ٥٣٣. ولفظه: " قراءة القرآن، والفكرة فيه".
(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٣٢): ص ٢/ ٥٣٣. ولفظه: " قراءة القرآن ظاهرا".
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٣٥): ص ٢/ ٥٣٣. ولفظه: " استظهار القرآن".
(١٠) أنظر: تفسير الطبري (٦١٨٦)، و (٦١٨٧): ص ٥/ ٥٧٨.
(١١) أنظر: تفسير الطبري (٦١٨٨): ص ٥/ ٥٧٨، وابن ابي حاتم (٢٨٢٩): ص ٢/ ٥٣٢، ونحو هذا المعنة أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٣٧): ص ٢/ ٥٣٤. ولفظه: "العلم: الحكمة، نور يهدي الله به من يشاء، وليس بكثرة المسائل".
(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٤.
(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٦١٩٢): ص ٥/ ٥٧٩، وابن ابي حاتم (٢٨٢٨): ص ٢/ ٥٣٢، ونقله ابن عطية في: المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٤.
(١٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٤٠): ص ٢/ ٥٣٤.
(١٥) أنظر: تفسير الطبري (٦١٩١): ص ٥/ ٥٧٨.
(١٦) ابن ابي حاتم (٢٨٢٤): ص ٢/ ٥٣١. ولفظه: " الحكمة: الخشية، فإن خشية الله رأس كل حكمة".
ذكر السيوطي في الدرّ (٢/ ٦٦): " وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية {يؤت الحكمة} قال: الخشية لأن خشية الله رأس كل حكمة وقرأ {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}. [سورة فاطر: ٢٨] ". بزيادة لفظ {وقرأ: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ). [سورة فاطر: ٢٨] "، ولكنني لم اجد هذه الزيادة، إلا في روياة الطبري عن الربيع (٦١٩١): ٥/ ٥٧٨: "حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة " الآية، قال: " الحكمة " الخشية، لأن رأس كل شيء خشية الله. وقرأ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}. [سورة فاطر: ٢٨].
(١٧) أنظر: الدر المنثور: ٢/ ٦٧. أخرجه ابن منذر.
(١٨) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٨٣٦): ص ٢/ ٥٣٣، ولفظه: "بلغنا أن الحكمة خشية الله، والعلم بالله".
(١٩) أنظر: تفسير الطبري (٦١٨٣)، و (٦١٨٤)، و (٦١٨٥): ص ٥/ ٥٧٧، وابن ابي حاتم (٢٨٢٥): ص ٢/ ٥٣٢.
(٢٠) تفسير الكشاف: ١/ ٣١٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>