والثاني: وقيل: الحشف والدرهم الزيف، وما لا خير فيه. قاله عبدالله بن معقل (١)، وروي عن عبيدة (٢) نحو ذلك.
والثالث: أن الخبيث هو الحرام، قاله ابن زيد (٣).
قال الراغب: " إن قيل: لم قال: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ} ولم يقل: (ولا تنفقوا الخبيث) مع أن اللفظ كان أوجز؟
قيل: لأن القبيح من الإنسان أن يقصد الخبيث أي الرديء من جملة ما في يده فيخصه بالإنفاق في سبيل الله، فأما إنفاق الرديء لمن ليس له غير ذلك، أو لمن لا يقصده خصوصا فغير مذموما" (٤).
قوله تعالى: {وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ} [البقرة: ٢٦٧]، أي: "لو أعطيتموه ما أخذتموه"، إِلا إِذا تساهلتم وأغمضتم البصر" (٥).
قال الطبري: " ولستم بآخذي الخبيث في حقوقكم، إلا أن تتجافوا في أخذكم إياه عن بعض الواجب لكم من حقكم، فترخصوا فيه لأنفسكم" (٦).
قال ابن كثير: فالله أغنى عنه منكم، فلا تجعلوا لله ما تكرهون" (٧).
قال ابن عطية: " كأن هذا المعنى عتاب للناس وتقريع .. أي فلا تفعلوا مع الله ما لا ترضونه لأنفسكم" (٨).
قال الراغب: " والإغماض والتغميض غض البصر ويستعمل في الترخص كالإغضاء" (٩).
قوله تعالى: {وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ} [البقرة: ٢٦٧]، فيه أربعة تأويلات:
أحدها: إلا أن تتساهلوا (١٠)، يعني: " ولستم بآخذي الرديء من غرمائكم في واجب حقوقكم قبلهم، إلا عن إغماض منكم لهم في الواجب لكم عليهم" (١١). وهو قول عبيدة (١٢)، والبراء بن عازب (١٣)، وابن عباس (١٤)، ومجاهد (١٥)، والربيع (١٦)، والضحاك (١٧).
والثاني: إلا أن تحطوا في الثمن، أي "لو وجدتموه في السوق يباع، ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه" (١٨)، قاله الحسن (١٩)، وروي نحوه عن قتادة (٢٠)، وعلي بن أبي طالب (٢١) رضي الله عنه.
قال ابن عطية: وهذان القولان يشبهان كون الآية في الزكاة الواجبة" (٢٢).
والثالث: إلا بوكس، فكيف تعطونه في الصدقة قاله الزجاج (٢٣).
والرابع: إلا أن ترخصوا لأنفسكم فيه وتتجوّزوا، قاله السدي، وعبدالله بن معقل (٢٤) ويسنده قول الطِّرِمّاح، كما سيأتي (٢٥).
الخامس: على استحياء (٢٦)، يعني: " ولستم بآخذي هذا الرديء الخبيث لو أهدي لكم، إلا أن تغمضوا فيه، فتأخذوه وأنتم له كارهون، على استحياء منكم ممن أهداه لكم" (٢٧). قاله البراء بن عازب" (٢٨).
قال ابن عطية: " وهذا يشبه كون الآية في التطوع" (٢٩).
السادس: وقال آخرون: معنى ذلك: ولستم بآخذي الحرام إلا أن تغمضوا على ما فيه من الإثم عليكم في أخذه. قاله ابن زيد (٣٠).
السابع: وقيل: "ولستم بآخذي هذا الرديء من حقكم إلا أن تغمضوا من حقكم" (٣١). روي ذلك عن ابم معقل (٣٢).
والراجح أن الله أمر إخراج الجيد من الأموال الطيب، وأما في الصدقة، فمكروه أن يعطي فيها إلا الأجود من المال والأطيب. وقال الطبري" والصدقة قربان المؤمن فلست أحرم عليه أن يعطي فيها غير الجيد، لأن ما دون الجيد ربما كان أعم نفعا لكثرته، أو لعظم خطره وأحسن موقعا من المسكين، وممن أعطيه قربة إلى الله عز وجل من الجيد، لقلته أو لصغر خطره وقلة جدوى نفعه على من أعطيه" (٣٣).
واختلفت القراءة في قوله تعالى: {تُغْمِضُوا} [البقرة: ٢٦٧]، على وجوه (٣٤):
الأول: قرأ جمهور الناس {إلا أن تغمضوا} بضم التاء وسكون الغين وكسر الميم (٣٥).
الثاني: وقرأ الزهري بفتح التاء وكسر الميم مخففا (٣٦).
(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٧٩٩): ص ٢/ ٥٢٧.
(٢) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٨٠١): ص ٢/ ٥٢٨.
(٣) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٦١.
(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٦٤.
(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٤.
(٦) تفسير الطبري: ٥/ ٥٦٣.
(٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٩٧.
(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٢.
(٩) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٦٣.
(١٠) قال الرازي: " وذلك لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه لئلا يرى ذلك ثم كثر ذلك حتى جعل كل تجاوز ومساهلة في البيع وغيره إغماضا". [مفاتيح الغيب: ٥/ ٧٧.].
(١١) تفسير الطبري: ٥/ ٥٦٤.
(١٢) أنظر: تفسير الطبري (٦١٥٠): ص ٥/ ٥٦٤.
(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٦١٥١): ص ٥/ ٥٦٤.
(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٦١٥٢) و (٦١٥٤): ص ٥/ ٥٦٤.
(١٥) أنظر: تفسير الطبري (٦١٥٣): ص ٥/ ٥٦٤.
(١٦) أنظر: تفسير الطبري (٦١٥٥): ص ٥/ ٥٦٤.
(١٧) أنظر: تفسير الطبري (٦١٥٦): ص ٥/ ٥٦٤.
(١٨) تفسير الطبري: ٥/ ٥٦٦.
(١٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٠٥): ص ٢/ ٥٢٩، والطبري (٦١٥٧): ص ٥/ ٥٦٦.
(٢٠) أنظر: تفسير الطبري (٦١٥٨): ص ٥/ ٥٦٦.
(٢١) نقلا عن: المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٢.
(٢٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٢.
(٢٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٤٣.
(٢٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٠٦): ص ٢/ ٥٢٩.
(٢٥) وهو قوله (ديوانه: ٨٦):
لم يفتنا بالوتر قوم وللضيـ ... م رجال يرضون بالإغماض
(٢٦) أنظر: مفاتبح الغيب: ٧/ ٥٥. قال: "، فقوله {ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} يقول لو أهدي إليكم مثل هذه الأشياء لما أخذتموها إلا على استحياء وإغماض، فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم".
(٢٧) تفسير الطبري: ٥/ ٥٦٦.
(٢٨) أنظر: تفسير الطبري (٦١٥٩): ص ٥/ ٥٦٦.
(٢٩) المرحرر الوجيز: ١/ ٣٦٣.
(٣٠) أنظر: تفسير الطبري (٦١٦٢): ص ٥/ ٥٦٧، ولفظه: ": يقول: لست آخذا ذلك الحرام حتى تغمض على ما فيه من الإثم قال: وفي كلام العرب: أما والله لقد أخذه، ولقد أغمض على ما فيه " وهو يعلم أنه حرام باطل". ونقله ابن عطية في المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٣.
(٣١) تفسير الطبري: ٥/ ٥٦٧.
(٣٢) أنظر: تفسير الطبري (٦١٦١): ص ٥/ ٥٦٧.
(٣٣) تفسير الطبري: ٥/ ٥٦٩.
(٣٤) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٣.
(٣٥) قال ابن عطية: " فقراءة الجمهور تخرج على التجاوز وعلى تغميض العين لأن أغمض بمنزلة غمض وعلى أنها بمعنى حتى تأتوا غامضا من التأويل والنظر في أخذ ذلك إما لكونه حراما على قول ابن زيد، وإما لكونه مهديا أو مأخوذا في دين على قول غيره، وأما قراءة الزهري الأولى فمعناها تهضموا سومها من البائع منكم فيحطكم، قال أبو عمرو معنى قراءتي الزهري حتى تأخذوا بنقصان". [المحرر الوجيز: ١/ ٢٦٢].
(٣٦) قال ابن عطية: " الثانية فهذا مذهب أبي عمرو الداني فيها. ويحتمل أن تكون من تغميض العين". [المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٣].