للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الندب، وكذلك ندبوا إلى أن لا يتطوعوا إلا بجيد مختار، والآية تعم الوجهين، لكن صاحب الزكاة يتلقاها على الوجوب وصاحب التطوع يتلقاها على الندب" (١).

قوله تعالى: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [البقرة: ٢٦٧]، " أي ولا تقصدوا الرديء الخسيس فتتصدقوا منه" (٢).

قال الطبري: " ولا تعمدوا، ولا تقصدوا .. وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: {ولا تؤموا} من (أممت)، وهذه من (يممت)، والمعنى واحد وإن اختلفت الألفاظ" (٣).

وروى البزي عن ابن كثير تشديد التاء في أحد وثلاثين موضعا أولها هذا الحرف، وقرأ الزهري ومسلم بن جندب {ولا تيمّموا} بضم التاء وكسر الميم، وهذا على لغة من قال: يممت الشيء بمعنى قصدته، وفي اللفظ لغات، منها أممت الشيء خفيفة الميم الأولى وأممته بشدها ويممته وتيممته، وحكى أبو عمرو أن ابن مسعود قرأ {ولا تؤمموا} بهمزة بعد التاء، وهذه على لغة من قال أممت مثقلة الميم (٤).

قال الراغب: " وأصل التيمم قصد اليم أي لجة البحر، ثم صار في التعارف القصد نحو، {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}، ويممته وأممته، قيل هما واحد، وقال الخليل: أممته: قصدته من أمامه، ويممته: قصدته من أي جهة كان" (٥)، ومنه قول ميمون بن قيس الأعشى (٦):

تيممت قيسا وكم دونه ... من الأرض من مهمه ذي شزن

وقول امرئ القيس (٧):

تيمّمت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظّلّ عرمضها طام

قال الشافعي: يعني - واللَّه أعلم -: تأخذونه لأنفسكم ئمن لكم عليه حق، فلا تنفقوا ما لا تأخذون لأنفسكم، يعني: لا تعطوا مما خبث عليكم -واللَّه أعلم - وعندكم طيب .. فحرام على من عليه صدقة أن يعطي صدقة من شرها" (٨).

قال الماوردي: "التيمم: التعمد، قال الخليل: تقول أَمَمْتُه إذا قصدت أَمَامَه، ويَمَّمْتُه إذا تعمدته من أي جهة كان، وقال غيره: هما سواء، والخبيث: الرديء من كل شيء" (٩).

روي "عن البراء بن عازب، في قوله: {ولا تيمموا} يقول: لا تعمدوا" (١٠). وروي عن مقاتل بن حيان، نحو ذلك" (١١).

وفي تفسير {الْخَبِيثَ} [البقرة: ٢٦٧]، هنا قولان:

أحدهما: أنهم كانوا يأتون بالحشف فيدخلونه في تمر الصدقة، فنزلت هذه الآية، وهو قول عليٍّ، والبراء بن عازب (١٢).


(١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦١.
(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٤.
(٣) تفسير الطبري: ٥/ ٥٥٨.
(٤) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٢.
(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٦٣.
(٦) ديوانه: ١٦، وهو من قصيدته التي أثنى فيها على قيس بن معد يكرب الكندي، وهي أول كلمة قالها له، وامهمه: الفلاة المقفرة البعيدة، لا ماء بها ولا أنيس، والشزن والشزونة: الغلظ من الأرض.
(٧) ملحق ديوانه: ٤٧٦، واللسان (عرمض)، والبحر: ٥/ ٤٩٦، وضارج: اسم موضع، والعرمض: الطحلب.
(٨) تفسير الشافعي: ١/ ٤٢٦ - ٤٢٧.
(٩) النكت والعيون: ١/ ٣٤٣.
(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٧٩٧): ص ٢/ ٥٢٧.
(١١) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ص ٢/ ٥٢٧.
(١٢) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٧٩٨): ص ٢/ ٥٢٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>