قوله تعالى: {أنفقوا من طيبات ما كسبتم}: بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى فيما سبق فضيلة الإنفاق ابتغاء وجهه، وسوء العاقبة لمن منَّ بصدقته، أو أنفق رياءً، حثَّ على الإنفاق؛ لكن الفرق بين ما هنا، وما سبق: أن ما هنا بيان للذي ينفَق منه؛ وهناك بيان للذي ينَفق عليه.
قوله تعالى: {أَنْفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: ٢٦٧]، " أي أنفقوا من الحلال الطيب من المال الذي كسبتموه" (١).
قال الراغب: " كل ما يناله الإنسان بريح أو أجرة عمل ... وتخصيص المكتسب دون الموروث لأن الإنسان مما يكتسبه أضن منه مما يرثه، فإذا الموروث معقول من فحواه" (٢).
أخرج ابن ابي حاتم " عن ابن عباس، قوله: {أنفقوا}، يقول: تصدقوا" (٣). وروي عن مقاتل، نحو ذلك (٤).
قال ابن عطية: " وكَسَبْتُمْ معناه كانت لكم فيه سعاية، إما بتعب بدن أو مقاولة في تجارة، والموروث داخل في هذا لأن غير الوارث قد كسبه" (٥).
واختلف في قوله تعالى: {مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: ٢٦٧]، وفيه أربعة أقاويل:
أحدها: يعني به الذهب والفضة، وهو قول عليّ (٦) -كرّم الله وجهه-، والسدي (٧). واختاره ابن كثير (٨).
والثاني: يعني التجارة، قاله مجاهد (٩)، ونحوه عن عائشة (١٠) -رضي الله عنها.
والثالث: الحلال (١١).حكي ذلك عن ابن زيد (١٢). قال ابن عطية: " وقول ابن زيد ليس بالقوي من جهة نسق الآية لا من معناه في نفسه" (١٣).
والرابع: من جيد ما كسبتم، أي: أطيب الأموال وأنفسه. قاله ابن عباس (١٤).
والخامس: وقيل: {من طيبات ما كسبتم}، يعني: المغزل. روي ذلك عن عليّ (١٥) -كرّم الله وجهه-.
السادس: أنه يقصد به الحض على الإنفاق. قاله ابن عطية (١٦).
(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.
(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٦٣.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم (٢٧٨٨): ص ٢/ ٥٢٥.
(٤) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم: : ص ٢/ ٥٢٥.
(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٢.
(٦) أنظر: تفسير الطبري (٦١٢٦): ص ٥/ ٥٥٦.
(٧) أنظر: تفسير الطبري (٦١٣٠): ص ٥/ ٥٥٧.
(٨) انظر: تفسيره: ١/ ٦٩٧.
(٩) أنظر: تفسير الطبري (٦١٢١) و (٦١٢٢) و (٦١٢٣) و (٦١٢٤) و (٦١٢٧) و (٦١٢٨): ص ٥/ ٥٥٦، وابن أبي حاتم (٢٧٩٣) و (٢٧٩٤): ص ٢/ ٥٢٦.
(١٠) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٧٩٢): ص ٢/ ٥٢٦.
(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٤٢.
(١٢) نقل عنه ابن عطية، انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٦١، ولفظه: " من حلال ما كسبتم، قال: وقوله: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ}، أي: الحرام".
(١٣) المحرر الوجي: ١/ ٣٦١.
(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٦١٢٩): ص ٥/ ٥٥٦ - ٥٥٧، وابن ابي حاتم (٢٧٨٩): ص ٢/ ٥٢٦.
(١٥) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٧٩١): ص ٢/ ٥٢٦.
(١٦) قال ابن عطية: " وقوله: {مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ}، يحتمل أن لا يقصد به لا الجيد ولا الحلال، لكن يكون المعنى كأنه قال: أنفقوا مما كسبتم، فهو حض على الإنفاق فقط. ثم دخل ذكر الطيب تبيينا لصفة حسنة في المكسوب عاما وتعديدا للنعمة كما تقول: أطعمت فلانا من مشبع الخبز وسقيته من مروي الماء، والطيب على هذا الوجه يعم الجود والحل، ويؤيد هذا الاحتمال أن عبد الله بن مغفل قال: ليس في مال المؤمن خبيث". [المحرر الوجيز: ١/ ٣٦١ - ٣٦٢]. ولفظ عبدالله بن معقل في رواية الطبري (٦١٢٥): ص ٥/ ٥٥٦: ": ليس في مال المؤمن من خبيث، ولكن لا تيمموا الخبيث منه تنفقون".
وفي رواية ابن أبي حاتم (٢٧٩٩): ص ٢/ ٥٢٧: "كسب المسلم لا يكون خبيثا".