قال الطبري: " وتثبيتًا لهم على إنفاق ذلك في طاعة الله وتحقيقًا، من قول القائل: " ثَبَّتُّ فلانًا في هذا الأمر " - إذ صححت عزمَه، وحققته، وقويت فيه رأيه - " أثبته تثبيتًا "، كما قال ابن رواحة (١):
فَثَبَّتَ اللهُ مَا آتَاكَ مِنْ حَسَنٍ تَثْبِيتَ ... مُوسَى، وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا
قال السعدي: " أي: صدر الإنفاق على وجه منشرحة له النفس سخية به، لا على وجه التردد وضعف النفس في إخراجها وذلك أن النفقة يعرض لها آفتان إما أن يقصد الإنسان بها محمدة الناس ومدحهم وهو الرياء، أو يخرجها على خور وضعف عزيمة وتردد، فهؤلاء سلموا من هاتين الآفتين فأنفقوا ابتغاء مرضات الله لا لغير ذلك من المقاصد، وتثبيتا من أنفسهم" (٢).
وقد ذكر أهل العلم في قوله تعالى: {وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ} [البقرة: ٢٦٥]، أربعة تأويلات (٣):
أحدها: تثبيتاً من أنفسهم بقوة اليقين، والنصرة في الدين، وهو معنى قول الشعبي (٤)، وقتادة (٥)، وأبو صالح (٦)، وابن زيد (٧)، والسدي (٨).
والثاني: يتثبتون أين يضعون صدقاتهم، قاله مجاهد (٩)، والحسن (١٠).
قال الطبري: " تأويل بعيد المعنى مما يدل عليه ظاهر التلاوة، وذلك أنهم تأولوا قوله: {وتثبيتًا من أنفسهم}، بمعنى: " وتثبُّتًا "، فزعموا أنّ ذلك إنما قيل كذلك، لأن القوم كانوا يتثبتون أين يضعون أموالهم. ولو كان التأويل كذلك، لكان: " وتثبتًا من أنفسهم " ; لأن المصدر من الكلام إن كان على " تفعَّلت " " التفعُّل "، فيقال: " تكرمت تكرمًا "، و " تكلمت تكلمًا "، وكما قال جل ثناؤه: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} [النحل: ٤٧]، من قول القائل: " تخوّف فلان هذا الأمر تخوفًا ". فكذلك قوله: {وتثبيتًا من أنفسهم}، لو كان من " تثبَّت القومُ في وضع صدقاتهم مواضعها "، لكان الكلام: " وتثبُّتًا من أنفسهم "، لا " وتثبيتًا ". ولكن معنى ذلك ما قلنا: من أنه: وتثبيتٌ من أنفس القوم إياهم، بصحة العزم واليقين بوعد الله تعالى ذكره" (١١).
والثالث: يعني احتساباً لأنفسهم عند الله، قاله ابن عباس، وقتادة (١٢).
قال الطبري: " وهذا القول أيضًا بعيد المعنى من معنى " التثبيت "، لأن التثبيت لا يعرف في شيء من الكلام بمعنى " الاحتساب "، إلا أن يكون أراد مفسِّرُه كذلك: أن أنفس المنفقين كانت محتسبة في تثبيتها أصحابها. فإن كان ذلك كان عنده معنى الكلام، فليس الاحتساب بمعنًى حينئذ للتثبيت، فيترجَم عنه به" (١٣).
والرابع: توطيناً لأنفسهم على الثبوت على طاعة الله، قاله بعض المتكلمين.
قوله تعالى: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ}، "أي: كمثل بستان كثير الشجر بمكانٍ مرتفع من الأرض" (١٤).
(١) سيرة ابن هشام ٤: ١٦، وابن سعد ٣/ ٢ /٨١، والمختلف والمؤتلف للآمدي: ١٢٦ والاستيعاب ١: ٣٠٥، وطبقات فحول الشعراء: ١٨٨، من أبيات يثني فيها على رسول رب العالمين. وروى الآمدي وابن هشام السطر الثاني " في المرسلين ونصرًا كالذي نصروا ". ولما سمع رسول الله عليه وسلم هذا البيت، أقبل عليه بوجهه مبتسمًا وقال: " وإياك فثبت الله ".
(٢) تفسير السعدي: ١/ ١١٤.
(٣) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٩ - ٣٤٠، وتفسير الطبري: ٥/ ٥٣١ وما بعدها.
(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٦٣): ص ٥/ ٥٣١، و (٦٠٦٤): ص ٥/ ٥٣٢.
(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٦٥): ص ٥/ ٥٣٢.
(٦) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٦٦): ص ٥/ ٥٣٢.
(٧) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ٣٣٩.
(٨) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ٣٣٩.
(٩) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٦٧) و (٦٠٦٨) و (٦٠٦٩): ص ٥/ ٥٣٢.
(١٠) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٧٠): ص ٥/ ٥٣٣، و (٦٠٧١): ص ٥/ ٥٣٣.
(١١) تفسير الطبري: ٥/ ٥٣٣.
(١٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٠٧٣): ص ٥/ ٥٣٤.
(١٣) تفسير الطبري: ٥/ ٥٣٤.
(١٤) محاسن التأويل: ١/ ١٥٣.