أَنَلْتَ قليلًا ثم أسْرعَت مِنَّةً ... فَنَيْلُكَ مَمْنُون لِذَاك قليلُ
فالمراد بالمن الذي في الآية: المنُّ الذي هو الاعتداد بالصنيعة، وذكرها الذي يكدرها.
والعَرَبُ تتمدّح بترك المنِّ بالنعمة، قال قائلهم (١):
زَادَ مَعْروفَكَ عِنْدِي عِظَمًا ... أنَّهُ عِنْدَكَ مَسْتُورٌ حقيرْ
تَتَنَاسَاهُ كأنْ لم تَأتِهِ ... وهو في العالم مَشْهورٌ كبيرْ (٢)
قوله تعالى: {وَلَا أَذًى} [البقرة: ٢٦٢]، أي: " ولا بالأذى" (٣).
قال ابن كثير: " أي: لا يفعلون مع من أحسنوا إليه مكروها يحبطون به ما سلف من الإحسان" (٤).
قال السعدي: " ولا أذية له قولية أو فعلية" (٥).
قال القرطبي: " و (الأذى): السب والتشكي، وهو أعم من المن لأن المن جزء من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وقوعه" (٦).
قال البغوي: " أن يعيره فيقول إلى كم تسأل وكم تؤذيني؟ وقيل من الأذى هو أن يذكر إنفاقه عليه عند من لا يحب وقوفه عليه" (٧).
قال النسفي: " هو أن يتطاول عليه بسبب ما أعطاه" (٨).
وقال الضحاك: " أن لا ينفق الرجل ماله، خيرٌ من أن ينفقه ثم يتبعه منًّا وأذى" (٩).
وقال الحسن: " إن أقواما يبعثون الرجل منهم في سبيل الله، أو ينفق على الرجل، ويعطيه النفقة، ثم يمنه ويؤذيه، ومنه ما أنفق، يقول: أنفقت في سبيل الله كذا وكذا، من منه، من غير محتسبه عند الله، وأذى، يؤذي به الرجل الذي أعطاه، من ماله ويقول: ألم أعطك من مالي كذا وكذا؟ ألم أنفق عليك كذا وكذا؟ يمن عليه، وأذى يؤذيه، فذلك من القول له، إذ قال الله: الذين ينفقون أموالهم" (١٠).
وقال زيد بن أسلم: "لئن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه تريد وجه الله فلا تسلم عليه، وقالت له امرأة: يا أبا أسامة دلني على رجل يخرج في سبيل الله حقا، فإنهم إنما يخرجون ليأكلوا الفواكه، فإن عندي أسهما وجعبة، فقال لها لا بارك الله في أسهمك وجعبتك، فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم" (١١).
قال الآلوسي: " وإنما قدم (المنّ) لكثرة وقوعه وتوسيط كلمة {لا} لشمول النفي لاتباع كل واحدة منهما، و {ثُمَّ} للتفاوت بين الإنفاق وترك المنّ والأذى في الرتبة والبعد بينهما في الدرجة" (١٢).
قال ابن عطية: " والأذى: السب والتشكي، وهو أعم من المنّ، لأنّ المن جزء من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وقوعه" (١٣).
(١) البيتان من قول الخُرَيمي، نسبهما إليه في "عيون الأخبار" ٣/ ١٦٠، و"دلائل الإعجاز" ١/ ٣٦٠ وروايتهم، وعند الناس بدل في العالم.
(٢) انظر: تفسير البسيط: ٤/ ٤٠٨ - ٤١٠.
(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٣.
(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٩٣.
(٥) تفسير السعدي: ١/ ١١٣.
(٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٨.
(٧) تفسير البغوي: ١/ ٣٢٦.
(٨) تفسير النسفي: ١/ ١٣٧.
(٩) أخرجه الطبري (٦٠٣٦): ص ٥/ ٥١٩.
(١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٢٧٣٢): ص ٢/ ٥١٦.
(١١) أخرجه الطبري (٣٥): ص ٥/ ٥١٨.
(١٢) تفسير الآلوسي: ٢/ ٣٣.
(١٣) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٦. ثم قال: " وذهب ابن زيد إلى أن هذه الآية هي في الذين لا يخرجون في الجهاد، بل ينفقون وهم قعود، وأن الأولى التي قبلها هي في الذين يخرجون بأنفسهم وأموالهم. قال: ولذلك شرط على هؤلاء ولم يشترط على الأولين.
قال ابن عطية: وفي هذا القول نظر، لأن التحكم فيه باد". [المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٦].