وقد ذكر أهل العلم في تفسير (المنّ) قولان (١):
الأول: المن: ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها (٢) مثل أن يقول: قد أحسنت إليك ونعشتك وشبهه.
والثاني: وقيل: المن: التحدث بما أعطى حتى يبلغ ذلك المعطى فيؤذيه.
قال القرطبي: والمن من الكبائر، ثبت ذلك في صحيح مسلم وغيره (٣)، وأنه أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، وروى النسائي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق لوالديه والمرأة المترجلة تتشبه بالرجال والديوث، وثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه والمدمن الخمر والمنان بما أعطى " (٤). وفي بعض طرق مسلم: " المنان هو الذي لا يعطي شيئا إلا منة " (٥) " (٦).
و(المنّ) في اللغة على وجوه:
أولا: يكون بمعنى الإنعام، يقال: قد منَّ عليَّ فلان: إذا أَفْضَل وأَنْعَم، ولفلان عليّ منّة، أي: نعمة، أنشد ابن الأنباري (٧):
فمِنّي عَلَيْنَا بالسَّلامِ فَإِنَّما ... كلامُكِ ياقُوتٌ ودُرٌّ مُنَظَّمُ
ومن النعمة: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من الناس أحد أمنّ علينا في صحبته ولا ذات يده من ابن أبي قحافة " (٨).
يريد: أنعم وأسمح بماله، ولم يرد المنة التي تهدم الصنيعة، والله تعالى يُوصَفُ بأنه مَنَّان، أي: منعم. قال أهل اللغة: المن: الإحسانُ إلى من لا يستثيبه، ولهذا يقال: الله تعالى منّان، لأن إحسانه إلى الخلق ليس لطلب ثواب، ومن هذا قوله: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ} [ص: ٣٩] وقوله: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: ٦] أي: لا تعط لتأخذ من المكافأة أكثرَ مما أعطيت (٢).
والمنّ في اللغة أيضًا: النقص من الحق والبخس له، قال الله تعالى: {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ} [القلم: ٣] يقال: غير مقطوع، وغير منقوص، ومن هذا يسمى الموت: مَنُونًا؛ لأنه يُنْقِصُ الأَعْدَاد، ويقطع الأعمار (٩).
ومن هذا: المِنَّةُ المذمومة؛ لأنها تُنْقِصُ النعمة وتُكَدِّرُها، قال الشاعر في المِنَّةِ المَذْمومة (١٠):
(١) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٨، والمحرر الوجيز: ١/ ٣٥٦.
(٢) انظر المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٦.
(٣) انظر: صحيح مسلم (١٠٦)، وسنن أبي داود (٤٠٨٧)، والترمذي (١٢١١)، والنسائي: ٥/ ٨١، وابن ماجة (٢٢٠٨) من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.
(٤) سنن النسائي: ٥/ ٨٠، وهو في مسند أحمد (٦١٨٠). قوله "الديوث": هو الذي لا يغار على أهله، انظر: النهاية لابن الأثير (ديث).
(٥) صحيح مسلم عقب (١٠٦).
(٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٨.
(٧) البيت أورده ابن الجوزي في "زاد المسير" ١/ ٣١٧ دون نسبة إلى قائل، وقال: ذكر ذلك أبو بكر بن الأنباري؟ ، وذكره الواحدي في تفسيره: ٤/ ٤٠٨.
(٨) أخرجه البخاري (٤٦٦) كتاب: الصلاة، باب: الخوخة والممر من المسجد، ومسلم (٢٣٨٢) كتاب: "فضائل الصحابة"، باب: من فضائل أبي بكر، والإمام أحمد في "مسنده" واللفظ له حديث رقم (١٥٤٩٢).
(٩) ينظر في معاني المن: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٤٥٩ - ٣٤٦٠ (مادة: منن)، "المفردات" ٤٧٧، "لسان العرب" ٧/ ٤٢٧٩، "عمدة الحفاظ" ٤/ ١٣١ - ١٣٢. وذكر الراغب أن المنة يراد بها: النعمة الثقيلة، ويقال ذلك على وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك بالفعل، فيقال: منَّ فلان على فلان، إذا أثقله بالنعمة {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} وذلك على الحقيقة لا يكون إلا لله تعالى. والثاني: أن يكون ذلك بالقول، وذلك مستقبح فيما بين الناس إلا عند كفران النعمة، ويقبح ذلك، قيل: المنة تهدم الصنيعة, ولحسن ذكرها عند الكفران قيل: إذا كفرت النعمة حسنت المنة، وقوله: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ} [الحجرات: ١٧] فالمنة منهم بالقول، ومنة الله عليهم بالفعل وهو هدايته إياهم كما ذكر.
(١٠) البيت أورده ابن الجوزي في "زاد المسير" ١/ ٣١٧ دون نسبة إلى قائل وقال: ذكر ذلك أبو بكر بن الأنباري، واستشهد به الواحدي في تفسيره: ٤/ ٤١٠.