للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولهذا قال النبي عليه السلام: «ليس الخبر كالمعاينة» (١)، وأما قول النبي عليه السلام نحن أحق بالشك من إبراهيم فمعناه: أنه لو كان شك لكنا نحن أحق به ونحن لا نشك، فإبراهيم عليه السلام أحرى أن لا يشك، فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم. والذي روي فيه عن النبي عليه السلام أنه قال: ذلك محض لإيمان إنما هو في الخواطر الجارية التي لا تثبت، وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، وذلك هو المنفي عن الخليل عليه السلام. وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع، وقد كان إبراهيم عليه السلام أعلم به، يدلك على ذلك قوله: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨] فالشك يبعد على من ثبتت قدمه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة النبوءة والخلة، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعا، وإذا تأملت سؤاله عليه السلام وسائر ألفاظ الآية لم تعط شكا، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو عن حال شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسئول، نحو قولك: كيف علم زيد؟ وكيف نسج الثوب؟ ونحو هذا، ومتى قلت كيف ثوبك وكيف زيد فإنما السؤال عن حال من أحواله، وقد تكون كَيْفَ خبرا عن شيء شأنه أن يستفهم عنه، كَيْفَ نحو قولك: كيف شئت فكن، ونحو قول البخاري: كيف كان بدء الوحي، وكَيْفَ في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبر عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح، فليزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح، مثال ذلك أن يقول مدع: أنا أرفع هذا الجبل، فيقول له المكذب: أرني كيف ترفعه؟ فهذه طريقة مجاز في العبارة، ومعناها تسليم جدلي، كأنه يقول افرض أنك ترفعه أرني كيف؟ فلما كان في عبارة الخليل عليه السلام هذا الاشتراك المجازي، خلص الله له ذلك وحمله على أن يبين الحقيقة فقال له: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى، فكمل الأمر وتخلص من كل شك، ثم علل عليه السلام سؤاله بالطمأنينة" (٢).

واعترض كثير من المفسرين على اختيار الطبري، فهذا القاسمي يقول، " وحكى ابن جرير عن طائفة من أهل العلم أنه سأل ذلك لأنه شك في قدرة الله، واستدلوا بما صح عنه صلّى الله عليه وسلم وفي الصحيحين وغيرهما من قوله: «نحن أحقّ بالشك من إبراهيم» (٣)، وبما روي عن ابن عباس أنه قال: "ما في القرآن عندي آية أرجى منها، إذ رضي الله من إبراهيم قوله {بَلى}، قال فهذا لما يعترض في النفوس ويوسوس به الشيطان" (٤)، أخرجه عنه الحاكم في المستدرك وصححه، ورجح هذا ابن جرير بعد حكايته له، قال ابن عطية: "وهو عندي مردود" (٥). يعني قول هذه الطائفة" (٦).

والراجح أن سيدنا إبراهيم -عليه السلام- لم يشك في قدرة الله - عز وجل - على إحياء الموتى، ولكنه أراد أن يتحول من علم اليقين الذي أوحاه الله - عز وجل - إليه إلى عين اليقين وهو ما تراه العين وتشاهده، حتى يزداد القلب اطمئنانا على ما به من إيمان، وكيف يشك إبراهيم - عليه السلام - في إحياء الله الموتى، وقد حاج الملك وبرهن له على قدرة الله تبارك وتعالى - على كل شيء ومنها إحياء الموتى، فكيف يحاجج الملك بما يشك فيه؟ ! (٧).


(١) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٢١٥.
(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٣.
(٣) أخرجه الطبري (٥٩٧٣): ص ٥/ ٤٩٠. ورواه البخاري في الأنبياء: باب قول الله: (ونبئهم عن ضيف إبراهيم) [الحجر: ٥١]: (١٢/ ٤٢): رقم (٣٣٧٢)، وفي التفسير: باب قوله: (فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك) [يوسف: ٥٠]: (١٥/ ٣٣٧) رقم (٤٦٩٤) وليس فيه لفظ الشك، ومسلم في الإيمان: باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة: (١/ ٤٨١) رقم (٣٩٩) وفي الفضائل: باب من فضائل إبراهيم الخليل: (١٥/ ٤٢٧) رقم (٦٢٩١).
(٤) المستدرك (١/ ٦٠) وتعقبه الذهبي بأن فيه انقطاعا.
(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٢.
(٦) تفسير القاسمي: ٢/ ١٩٩.
(٧) وكيف يشك في هذا الأمر، وقد حاج طاغية عصره في هذه القضية، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: ٢٥٨] ومن ثم فكيف يسوغ لمن حاج خصمه بقضية الإحياء والموت، أن يشك فيها بعد ذلك؟ ! ألا يدل ذلك على جهل هؤلاء المدعين وكذبهم على أنبياء الله تعالى؟ ! إن إبراهيم - عليه السلام - لا يتكلم في الإحياء، وإنما كان شكه في أن الله سبحانه قد لا يستجيب لطلبه في أن يريه ويطلعه على كيفية إحياء الموتى، ولنضرب مثالا على ذلك، ولله المثل الأعلى. إن الواحد منا يقول للمهندس: كيف بنيت هذا البيت؟ إن صاحب السؤال يشير إلى حدث وإلى محدث وهو البيت الذي تم بناؤه. فهل معرفة الكيفية تدخل في عقيدة الإيمان؟ لا. إذن فالاطمئنان جاء لمراد في كيفية مخصوصة تخرجه من متاهات كيفيات مقصورة ومتخيلة [انظر: تفسير الشعراوي: ٢/ ١٣٩].
واستنادا إلى ما سبق فقد كان سؤال إبراهيم - عليه السلام - عن كيفية إحياء الموتى، وكيفية جمع الأجزاء لا عن الإحياء نفسه، فإنه ثابت ومقرر، ويدل على ذلك وقوع السؤال بكيف التي تسأل عن الهيئة والكيفية، والإنسان يؤمن بما لا يعرف كيفيته، وفي فطرته الرغبة في استكناه أشياء هو مؤمن بها، ولكنه يود لو يقف على أسرارها وخفاياها، وطلب الخليل - عليه السلام - رؤية كيفية إحياء الموتى من هذا القبيل، فهو طلب للطمأنينة فيما تنزع إليه نفسه من معرفة خفايا أسرار الربوبية، لا طلب للطمأنينة في أصل الإيمان بالبعث، الذي عرفه بالوحي والبرهان، دون المشاهدة والعيان [عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم، د. محمد أبو النور الحديدي: ٢٨٢].
فالمعرفة التفصيلية أقوى وأرسخ من المعرفة الإيمانية المؤدية إلى التردد بين الكيفيات المتعددة مع الطمأنينة إلى القدرة على الإحياء.
يقول الشيخ محمد عبده في قوله تعالى لإبراهيم عليه السلام: {أولم تؤمن} - وهو أعلم بإيمانه ويقينه - إرشاد إلى ما ينبغي للإنسان أن يقف عنده، ويكتفي به في هذا المقام، فلا يتعداه إلى ما ليس من شأنه، كأنه يقول: إن الإيمان بهذا السر الإلهي، والتسليم فيه لخبر الوحي، ودلالته، وامتثاله هو منتهى ما يطلب من البشر، فلو كان وراء الإيمان والتسليم مطلع لناظر لبينه الله تعالى لك، وفي هذا الإرشاد لخليل الرحمن - عليه السلام - تأديب للمؤمنين كافة، ومنع لهم عن التفكر في كيفية التكوين وإشغال العقول بما استأثر الله تعالى به، فيما لا يليق بهم البحث عنه. [تفسير المنار: ٣/ ٥٣ - ٥٤].
إذن، فالسؤال ليكف الفكر عن تخيل كيفيات الإحياء؛ إذ تتعين عنده كيفية إحياء الموتى، ذلك، وقد وردت في الآية أقوال عديدة، تنفي الشك عن إبراهيم - عليه السلام - وأول هذه الأقوال قول النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: رب أرني كيف تحيي الموتى ... ». [البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب قوله عز وجل: {ونبئهم عن ضيف إبراهيم (٥١)} (الحجر) (٣١٩٢)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل عليه السلام (٦٢٩١)].
والحديث ينفي الشك عن إبراهيم - عليه السلام ـ؛ حيث إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سمع من يقول: إن إبراهيم - عليه السلام - شك، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - لم يشك؛ فرد عليهم بهذا الحديث، أي: إذا لم نشك نحن، فإبراهيم أولى ألا يشك.
فالسؤال كان لزيادة الإيمان واليقين؛ لأن درجاته تتفاوت بالمعاينة، ينتقل الإنسان فيه من علم اليقين إلى عين اليقين، والعلم ينقسم إلى ضروري - وهو الحاصل من غير استدلال لظهوره - ونظري - يتوقف على نظر واستدلال لكونه غير بدهي، والشك ممتنع في الضروري، ومحتمل في النظري، وقد أراد الخليل أن ينتقل من النظري إلى الأعلى منه وهو الضروري. وليس معنى هذا أن إبراهيم - عليه السلام - وقع منه شك في علمه النظري، بل إن النظري من حيث هو يجوز جريان الشك عليه، وفرق بين الشك وجوازه. [انظر: عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم: ٢٨١ - ٢٨٢].
وبهذا يتبين لنا أن سؤال إبراهيم - عليه السلام - عن كيفية إحياء الموتى كان من أجل أن ينتقل من علم اليقين، الذي يؤمن به إيمانا لا شك فيه ولا تردد إلى عين اليقين الذي يزيد القلب اطمئنانا بما يراه ويشاهده.

<<  <  ج: ص:  >  >>