قال الطبري، مرجحا هذا القول:" وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، ما صحَّ به الخبر عن رسول الله صلى أنه قال، وهو قوله: " نحن أحق بالشك من إبراهيم، قال: رب أرني كيف تحيي الموتى؟ قال أولم تؤمن؟ " (١)، وأن تكون مسألته ربَّه ما سأله أن يُريه من إحياء الموتى لعارض من الشيطان عرضَ في قلبه، كالذي ذكرنا عن ابن زيد آنفًا (٢): من أن إبراهيم لما رأى الحوت الذي بعضه في البر وبعضه في البحر، قد تعاوره دواب البر ودواب البحر وطير الهواء، ألقى الشيطان في نفسه فقال: متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فسأل إبراهيم حينئذ ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، ليعاين ذلك عيانًا، فلا يقدر بعد ذلك الشيطان أن يلقي في قلبه مثل الذي ألقي فيه عند رؤيته ما رأى من ذلك. فقال له ربه:{أولم تؤمن}؟ يقول: أولم تصدق يا إبراهيم بأني على ذلك قادر؟ قال: بلى يا رب! لكن سألتك أن تريني ذلك ليطمئن قلبي، فلا يقدر الشيطان أن يلقي في قلبي مثل الذي فعل عند رُؤيتي هذا الحوت"(٣)، وكذا روي عن ابن يد (٤).
وقد اعترض ابن عطية على هذا القول، فقال: " فأما قول ابن عباس: هي أرجى آية فمن حيث فيها الإدلال على الله تعالى وسؤال الإحياء في الدنيا، وليست مظنة ذلك، ويجوز أن يقول: هي أرجى آية لقوله، أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ أي إن الإيمان كاف لا يحتاج بعده إلى تنقير وبحث، وأما قول عطاء بن أبي رباح: دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فمعناه من حب المعاينة، وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به،
(١) أخرجه الطبري (٥٩٧٣): ص ٥/ ٤٩٠. ورواه البخاري في الأنبياء: باب قول الله: (ونبئهم عن ضيف إبراهيم) [الحجر: ٥١]: (١٢/ ٤٢): رقم (٣٣٧٢)، وفي التفسير: باب قوله: (فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك) [يوسف: ٥٠]: (١٥/ ٣٣٧) رقم (٤٦٩٤) وليس فيه لفظ الشك، ومسلم في الإيمان: باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة: (١/ ٤٨١) رقم (٣٩٩) وفي الفضائل: باب من فضائل إبراهيم الخليل: (١٥/ ٤٢٧) رقم (٦٢٩١). (٢) انظر: تفسير الطبري (٥٩٦٦): ص ٥/ ٤٨٦. (٣) تفسير الطبري: ٥/ ٤٩١ - ٤٩٢. (٤) انظر: تفسير الطبري (٥٩٧٥): ٥/ ٤٩١.