للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأول: أنه أنه رأى دابة قد تقسَّمتها السباعُ والطيرُ، فسأل ربه أن يريه كيفية إحيائه إياها، وهذا قول ابن عباس (١)، وقتادة (٢)، والضحاك (٣)، وابن جريج (٤)، وابن يد (٥).

قال الطبري: " فيزداد يقينًا برؤيته ذلك عيانًا إلى علمه به خبرًا، فأراه الله ذلك مثلا بما أخبر أنه أمره به" (٦).

والثاني: لمنازعة النمرود له في الإحياء، قاله ابن إسحاق (٧)، والحسن (٨) فيما معناه.

قال الطبري: القولان الأول والثاني: " متقاربا المعنى، في أن مسألة إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، كانت ليرى عيانًا ما كان عنده من علم ذلك خبرًا" (٩).

الثالث: وقال آخرون: بل كانت مسألته ذلك ربَّه عند البشارة التي أتته من الله بأنه اتخذه خليلا فسأل ربه أن يريه عاجلا من العلامة له على ذلك، ليطمئن قلبه بأنه قد اصطفاه لنفسه خليلا ويكون ذلك لما عنده من اليقين مؤيِّدًا.

وإلى هذا القول ذهب الطحاوي (١٠)، وهو المروي عن السدي (١١)، وسعيد بن جبير (١٢)، وعبدالله بن المبارك (١٣).

الرابع: وقيل: قال ذلك لربه لأنه شك في قدرة الله على إحياء الموتى. روي فيما معنى ذلك عن عطاء بن أبي رباح (١٤)، وابن عباس (١٥)، وعطاء (١٦)، وهذا اختيار الطبري (١٧).

واستندوا في قولهم على ما روي عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " نحنُ أحق بالشك من إبراهيم، قال: رب أرني كيف تحيي الموتى، قال أولم تؤمن؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " (١٨) (١٩).


(١) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٦٨٧): ص ٢/ ٥٠٧.
(٢) انظر: تفسير الطبري (٥٩٦٣): ص ٥/ ٤٨٥.
(٣) انظر: تفسير الطبري (٥٩٦٤): ص ٥/ ٤٨٥ - ٤٨٦، وابن ابي حاتم (٢٦٨٧): ص ٢/ ٥٠٧.
(٤) انظر: تفسير الطبري (٥٩٦٥): ص ٥/ ٤٨٦.
(٥) انظر: تفسير الطبري (٥٩٦٦): ص ٥/ ٤٨٦.
(٦) تفسير الطبري: ٥/ ٤٨٥.
(٧) انظر: تفسير الطبري (٥٩٦٧): ص ٥/ ٤٨٧.
(٨) تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٨٨): ص ٢/ ٥٠٧.
(٩) تفسير الطبري: ٥/ ٤٨٧.
(١٠) شرح مشكل الآثار: ١/ ١٨٤.
(١١) انظر: تفسير الطبري (٥٩٦٨): ص ٥/ ٤٨٧ - ٤٨٨، وابن ابي حاتم (٢٦٨٩): ص ٢/ ٥٠٨.
(١٢) انظر: تفسير الطبري (٥٩٦٩): ص ٥/ ٤٨٩.
(١٣) أعلام الحديث للخطابي: (٣/ ١٥٤٦)، والأسماء والصفات للبيهقي: (٢/ ٤٨٨)، وشرح السنة للبغوي: ١/ ١١٦.
(١٤) انظر: تفسير الطبري (٥٩٧٢): ص ٥/ ٤٩٠. و (٥٩٧٤): ص ٥/ ٤٩١.
(١٥) انظر: تفسير الطبري (٥٩٧٠) و (٥٩٧١): ص ٥/ ٤٨٩ - ٤٩٠.
(١٦) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٦٩٠): ص ٢/ ٥٠٨. قال: "دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فقال: رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى".
(١٧) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٩١ - ٤٩٢.
(١٨) أخرجه الطبري (٥٩٧٣): ص ٥/ ٤٩٠. ورواه البخاري في الأنبياء: باب قول الله: (ونبئهم عن ضيف إبراهيم) [الحجر: ٥١]: (١٢/ ٤٢): رقم (٣٣٧٢)، وفي التفسير: باب قوله: (فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك) [يوسف: ٥٠]: (١٥/ ٣٣٧) رقم (٤٦٩٤) وليس فيه لفظ الشك، ومسلم في الإيمان: باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة: (١/ ٤٨١) رقم (٣٩٩) وفي الفضائل: باب من فضائل إبراهيم الخليل: (١٥/ ٤٢٧) رقم (٦٢٩١).
(١٩) إن العلماء قد بينوا معنى هذا الحديث بل وعدوه من فضائل إبراهيم [ولذلك رواه مسلم كما سبق في كتاب الفضائل: باب من فضائل إبراهيم]، وقالوا المراد من الحديث: تنزيه إبراهيم -عليه السلام ونبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- عن الشك في قدرة الله على إحياء الموتى، والقطع بعدم دلالة الحديث على ذلك، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم. ولكنهم اختلفوا في معنى الحديث على عدة أقوال أقواها:
القول الأول: أن المراد بهذا الحديث نفي الشك عن إبراهيم، فكأنه -عليه السلام- قال: إن إبراهيم لم يشك، ولو كان الشك متطرقاً إليه لكنا نحن أحق بالشك منه، فإذا كنا نحن لم نشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم -عليه السلام- من باب أولى ألا يشك. قال ذلك -عليه السلام- على سبيل التواضع وهضم النفس.
وإلى هذا القول ذهب جمهور العلماء كابن قتيبةتأويل مختلف الحديث: (٩١ ـ ٩٢)، والطحاويشرح مشكل الآثار: (١/ ١٨٤)، والخطابيأعلام الحديث: (٣/ ١٥٤٥ ـ ١٥٤٦)، والحميديفسير غريب ما في الصحيحين: (٢٩٢)، وابن عطيةلمحرر الوجيز: (٢/ ٣٠٣)، وابن حزمالفصل: (٢/ ٢٩٢ ـ ٢٩٣)، والقاضي عياضالشفاء: (٣١٠)، وابن الجوزيكشف المشكل: (٣/ ٣٥٨)، والنوويشرح النووي على مسلم: (٢/ ٥٤٢)، وصفي الرحمن المباركفوريمنة المنعم في شرح صحيح مسلم: (١/ ١٣٣)، (٤/ ٦٣)، وابن عثيمينتفسير القرآن له: (٣/ ٣٠٥)، والقول المفيد على كتاب التوحيد: (١/ ٢١٩)، وغيرهم [نظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال: (٩/ ٥٢٥)، والأسماء والصفات للبيهقي: (٢/ ٤٨٨)، ومعالم التنزيل: (١/ ٢٤٨)، وإكمال المعلم للقاضي عياض: (١/ ٤٦٥)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: (٣/ ٢٩٨ ـ ٢٩٩)، وشرح النووي على مسلم: (٢/ ٥٤٢)، وفتح الباري: (٦/ ٤١٢].
قال الخطابي: " مذهب الحديث التواضع والهضم من النفس، وليس في قوله: "نحن أحق بالشك من إبراهيم"؛ اعتراف بالشك على نفسه، ولا على إبراهيم -عليه السلام-، لكن فيه نفي الشك عن كل واحد منهما".أعلام الحديث: (٣/ ١٥٤٥ ـ ١٥٤٦).
وقال ابن الجوزي: " مخرج هذا الحديث مخرج التواضع وكسر النفس".كشف المشكل: (٣/ ٣٥٨).
القول الثاني: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- سمّى التفاوت بين الإيمان والاطمئنان شكاً، فأطلق على ما دون طمأنينة القلب التي طلبها إبراهيم -عليه السلام- اسمَ الشك، وإلا فإبراهيم كان مؤمناً موقناً، ليس عنده شك يقدح في يقينه، ولكن الرسول -عليه السلام- عبّر عن هذا المعنى بهذه العبارة.
وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيميةمجموع الفتاوى: (١٥/ ١٧٨)، وابن القيممدارج السالكين: (١/ ٥٠٧).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ومعلوم أن إبراهيم كان مؤمناً كما أخبر الله عنه بقوله: (أولم تؤمن قال بلى) ولكن طلب طمأنينة قلبه كما قال: (ولكن ليطمئن قلبي) فالتفاوت بين الإيمان والاطمئنان سماه النبي -عليه السلام- شكاً لذلك بإحياء الموتى".مجموع الفتاوى: (١٥/ ١٧٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>