للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الطبري: " نكسوها ": نُلبسها ونُواريها به كما يواري جسدَ الإنسان كسوتُه التي يلبَسُها. وكذلك تفعل العرب، تجعل كل شيء غطَّى شيئًا وواراه، لباسًا له وكُسوة، ومنه قول النابغة الجعدي (١):

فَالْحَمْدُ للهِ إِذْ لَمْ يَأْتِنِي أَجَلِي ... حَتَّى اكْتَسَيْتُ مِنَ الإسْلامِ سِرْبَالا

فجعل الإسلام - إذ غطَّى الذي كان عليه فواراه وأذهبه - كُسوةً له وسِربالا" (٢).

قال السدي: "إن الله كسا العظام لحما ودما، فقام حمارا من لحم ودم، ليس في روح، ثم أقبل ملك يمشي، حتى أخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه، فنهق الحمار" (٣).

وروي" عن عكرمة يعني قوله: {ثم نكسوها لحما}، قال: لما اتصلت المفاصل، كسيت لحما، ثم كسي اللحم عصبا، ثم مد الجلد عليها، ثم نفخ في منخره، فنهق" (٤).

قوله تعالى: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} [البقرة: ٢٥٩]، أي: " فلما تبين له ما أشكل عليه، يعنى أمر إحياء الموتى" (٥).

قال الصابوني: " أي فلما رأى الآيات الباهرات" (٦).

قال القاسمي"أي: اتضح له إعادته مع طعامه وشرابه وحماره، بعد التلف الكليّ، وظهر له كيفية الإحياء" (٧).

قال المراغي: "أي فلما ظهر له إحياء الميت عيانا" (٨).

قال ابن عثيمين: أي تبين لهذا الرجل - الذي مر على القرية، واستبعد أن يحييها الله بعد موتها؛ أو استبطأ أن الله سبحانه وتعالى يحييها بعد موتها، وحصل ما حصل من آيات الله عز وجل بالنسبة له، ولحماره، ولطعامه، وشرابه - تبين له الأمر الذي تحقق به قدرة الله عز وجل" (٩).

قال الطبري: أي: " فلما اتضح له عيانًا ما كان مستنكرًا من قدرة الله وعظمته عنده قبل عيانه ذلك، قالَ أَعْلَمُ " (١٠).

اعترض عليه ابن عطية قائلا: " وهذا خطأ لأنه ألزم ما لا يقتضيه اللفظ، وفسر على القول الشاذ والاحتمال الضعيف" (١١).


(١) ديوانه: ٨٦، في هجائه ابن الحيا، والحيا أمه، واسمه سوار بن أوفي القشيري - وكان هجا الجعدي وسب أخواله من الأزد، وهم بأصبهان متجاورون، فقال في ذلك قصيدته التي أولها: إِمَّا تَرَي ظُلَلَ الأَيَّامِ قَدْ حَسَرَتْ ... عنِّي، وشَمَّرْتُ ذَيْلاً كَانَ ذَيَّالا
وينسب هذا البيت إلى " لبيد بن ربيعة العامري " وإلى " قردة بن نفاثة السلولي "، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: ٢٢٨: " وقد قال أكثر أهل الأخبار أن لبيدًا لم يقل شعرًا منذ أسلم.
وقال بعضهم: لم يقل في الإسلام إلا قوله: ... " وذكر البيت، ثم قال: وقد قيل إن هذا البيت لقردة بن نفاثة السلولى، وهو أصح عندي ". ثم عاد في ص ٥٣٦، فذكر قردة بن نفائة السلولى فقال: " كان شاعرًا، قدم على رسوله الله صلى الله عليه وسلم في من بني سلول، فأمّره عليهم بعد أن أسلم وأسلموا، فأنشأ يقول: بَانَ الشَّبَابُ فَلَمْ أَحْفِلْ بِهِ بَالا ... وَأَقْبَلَ الشَّيْبُ والإِسْلامُ إِقْبَالا
وَقَدْ أُرَوِّي نَدِيمِي مِنْ مُشَعْشَعَةٍ ... وَقَدْ أُقَلِّبُ أَوْرَاكًا وَأَ كْفَالا
الْحَمْدُ لله. . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد قيل إن البيت للبيد. قال أبو عبيدة: لم يقل لبيد في الإسلام غيره ". وذكر ذلك أبو الفرج في أغانيه ١٤: ٩٤، وغيره. وانظر معجم الشعراء: ٣٣٨، ٣٣٩، والشعر والشعراء: ٢٣٢ والمعمرين ٦٦، وديوان لبيد، الزيادات: ٥٦. وغيرها كثير.
(٢) تفسير الطبري: ٥/ ٤٨٠.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦٨٢): ص ٢/ ٥٠٦.
(٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٦٨٣): ص ٢/ ٥٠٦.
(٥) تفسير الكشاف: ١/ ٣٠٨.
(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٠.
(٧) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٨.
(٨) تفسير المراغي: ١/ ٥٠٢.
(٩) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٩٢.
(١٠) تفسير الطبري: ٥/ ٤٨١.
(١١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥١.

<<  <  ج: ص:  >  >>