القراءة الثالثة: وقرأ ذلك بعضهم: {وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نَنْشُرُهَا}، بفتح النون من أوله وبالراء. كأنّه وجّه ذلك إلى مثل معنى: نَشْرِ الشيء وطيِّه، وذلك قراءة غير محمودة، لأن العرب لا تقول: نشر الموتى، وإنما تقول:" أنشر الله الموتى "، فنشروا هم " بمعنى: أحياهم فحيُوا هم. ويدل على ذلك قوله:(ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) وقوله: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ)[الأنبياء: ٢١]؛ .. وعلى أنه إذا أريد به حَيِي، الميت وعاش بعد مماته، قيل: نَشَر، ومنه قول أعشى بني ثعلبة (١):
وروي سماعًا من العرب: " كان به جَرَبٌ فنَشَر "، إذا عاد وَحَيِيَ"(٢).
القراءة الرابعة: وقرأ أبي بن كعب: {كيف ننشيها} بالياء (٣).
قال الطبري:" والقول في ذلك عندي أنّ معنى " الإنشاز " ومعنى " الإنشار " متقاربان، لأن معنى " الإنشاز ": التركيبُ والإثبات ورد العظام إلى العظام، ومعنى " الإنشار " إعادة الحياة إلى العظام، وإعادتها لا شك أنه ردُّها إلى أماكنها ومواضعها من الجسد بعد مفارقتها إياها. فهما وإن اختلفا في اللفظ، فمتقاربا المعنى. وقد جاءت بالقراءة بهما الأمة مجيئًا يقطعُ العذر ويوجب الحجة، فبأيِّهما قرأ القارئ فمصيب، لانقياد معنييهما، ولا حجة توجب لإحداهما القضاءَ بالصواب على الأخرى، فإن ظنّ ظانٌ أن " الإنشارَ " إذا كان إحياءً، فهو بالصواب أولى، لأن المأمور بالنظر إلى العظام وهي تنُشر إنما أمر به ليرى عيانًا ما أنكره بقوله:{أنَّى يحيي هذه الله بعد موتها}؟ [فقد أخطأ]، فإن إحياء العظام لا شك في هذا الموضع، إنما عنى به ردُّها إلى أماكنها من جسد المنظور إليه، وهو يُحيى، لإعادة الروح التي كانت فارقتها عند الممات. والذي يدل على ذلك قوله:{ثم نكسوها لحمًا}، ولا شك أن الروح إنما نفخت في العظام التي أنشزت بعد أن كسيت اللحم. وإذ كان ذلك كذلك، وكان معنى " الإنشاز " تركيب العظام وردها إلى أماكنها من الجسد، وكان ذلك معنى " الإنشار " وكان معلومًا استواء معنييهما، وأنهما متفقا المعنى لا مختلفاه، ففي ذلك إبانة عن صحة ما قلنا فيه، وأما القراءة الثالثة، فغير جائزةٍ القراءةُ بها عندي، وهي قراءة من قرأ: " كَيْفَ نَنْشُرُهَا " بفتح النون وبالراء، لشذوذها عن قراءة المسلمين، وخروجها عن الصحيح الفصيح من كلام العرب"(٤).
قوله تعالى:{ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا}[البقرة: ٢٥٩]، " أي نسترها به"(٥).
قال ابن عثيمين:" أي نسترها باللحم؛ فشاهد ذلك بعينه، فاجتمع عنده آيتان من آيات الله؛ إبقاء ما يتغير على حاله - وهو طعامه، وشرابه؛ وإحياء ما كان ميتاً - وهو حماره"(٦).
قال ابن عطية:" والكسوة: ما وارى من الثياب، وشبه اللحم بها"(٧).
(١) ديوانه: ١٠٥، وسيأتي في التفسير ١٩: ١٤/ ٢٥: ٣٢/ ٣٠: ٣٦ (بولاق) وهو في أكثر الكتب، وقد مضى بيتان منها في ١: ٤٧٤، تعليق: ٢/ ٣: ١٣١. وقبله يذكر صاحبته، فأجاد وأبدع: عَهْدِي بِهَا فِي الحَيِّ قَدْ سُرْبِلَتْ ... هَيْفَاءَ مِثْلَ المُهْرَةِ الضَّامِرِ قَدْ نَهَدَ الثَّدْيُ عَلَى نَحْرِهَا ... فِي مُشْرِقٍ ذِي صَبَحٍ نَاثِرِ لَوْ أَسْنَدَتْ مَيْتًا إلَى نَحْرِهَا ... عَاشَ، وَلَمْ يُنْقَلْ إِلى قَابِرِ حتَّى يَقُولَ الناسُ. . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الصبح (بفتحتين) بريق اللون والحلى والسلاح، تراه مشربًا كالجمر يتلألأ. ونائر: نير. يقال: " نار الشيء فهو نير ونائر " و " أنار فهو منير ". (٢) تفسير الطبري: ٥/ ٤٧٧ - ٤٧٨. (٣) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٥١. (٤) تفسير الطبري: ٥/ ٤٧٨ - ٤٧٩. (٥) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٨. (٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٩٢. (٧) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥١.