فجعل (الهاء) في (السنة) أصلا وهي اللغة الفصحى (٢)(٣).
وقد اختار الأئمة: القول الأول؛ لأن مسنون-كما قال الزجاج-ليس معناه متغير، وإنما معناه: مصبوب على سنة الأرض (٤).
وقوله تعالى:{لم يتسنَّه}[البقرة: ٢٥٩]، فيه وجهان من القراءة (٥):
احدهما:{لَمْ يَتَسَنَّ}، بحذف (الهاء) في الوصل، وإثباتها في الوقف، وهو قراءة يعقوب (٦) وعامة قراء الكوفة.
(١) البيت لسويد بن الصامت الأنصاري، انظر: معاني القرآن للفراء ١: ١٧٣. والأمالى ١: ٢١، وسمط اللآلى: ٣٦١، وتهذيب الألفاظ: ٥٢٠، واللسان (عرا) (قرح) (سنه) (خور) (رجب)، والإصابة في ترجمته، من أبيات يقولها في دين كان قد أدانه فطولب به، فاستغلت في قضائه بقومه فقصر واعنه. وترتيبها فيها أستظهر: وَأَصْبَحْتُ قد أنكَرْتُ قوْمِي كَأَنَّنِي ... جَنَيْتُ لَهُمْ بالدَّيْنِ إحْدَى الفَضَائِحِ أَدِينُ، وَمَا دَيْنِي عَلَيْهِم بِمَغْرَمٍ ... وِلكِنْ عَلَى الشُّمِّ الجِلادِ القَرَاوِحِ عَلَى كُلِّ خَوَّارٍ، كَأَنَّ جُذُوعَها ... طُلِينَ بِقَارٍ أوْ بِحَمْأَةِ مَائِحِ وَلَيْسَتْ بِسَنْهَاءٍ وَلا رُجَّبِيَّةٍ ... وَلَكنْ عَرَايَا فِي السِّنِينِ الجَوَائِحِ َدِينُ عَلَى أَثْمَارِهَا وَأُصُولِهَا ... لِمَوْلًى قَرِيبٍ أو لآخَرَ نَازِحِ دان يدين: استقرض مالا. والشم: الطوال. والجلاد: الشديدة الصبر على العطش والحر والبرد، يعنى النخل. والقراوح جمع قراوح: وهي النخلة التي انجرد كربها وطالت، وذلك أجود لها. والخوار: الغزيرة الحمل. وجعلها مطلية بالفار أو بالحمأة، لأن جذوعها إذا كانت كذلك فهو أشد لها وأكرم. والمائح: الذي يمتاح من البئر، أي يستقي. والسنهاء: التي حملت عاما، ولم تحمل آخر، وهذا من عيب النخل. وقوله: " رجبية " (بضم الراء وتشديد الجيم المفتوحة، أو فتحها بغير تشديد) وكلتاهما نسبة شاذة إلى الرجبة (بضم فسكون): وذلك أن تعمد النخلة الكريمة إذا خيف عليها أن تقع لطولها وكثر حملها، فيبني تحتها دكان ترجب به - أي تعمد به. وذلك حين تبلغ إلى الضعف، ولكنه يكرمها بذلك. والعرايا جمع عربة: وهي التي يوهب ثمرها في عامها. يفعل بها ذلك لكرمه. والجوائح: السنين المجدبة الشداد التي تجتاح المال. يقول لقومه: قد جئت أستدينكم، على أن أؤدي من نخلي ومالي، ففيم الجزع؟ أتخافون أن يكون ديني مغرما تغرمونه! ! وهذه نخلي أصف لكم من جودتها وكرمها ما أنتم به أعلم. (٢) تفسير الطبري: ٥/ ٤٦١ - ٤٦٢. (٣) قال أبو علي: " السنة تستعمل على ضربين: أحدهما: يراد به الحول والعام. والآخر: يراد به الجدب، خلاف الخصب. فمما أريد به الجدب قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ} [الأعراف/ ١٣٠]، ومنه ما يروى من قوله: «اللهمّ سنين كسنيّ يوسف». [أخرجه البخاري في الفتح برقم ١٠٠٦ استسقاء وبرقم ٤٨٢١ تفسير سورة الدخان، وبرقم ٦٣٩٣ دعوات ومسلم برقم ٦٧٥ مسافرين وبرقم ٢٧٩٩ صفات المنافقين وأبو داود برقم ١٤٤٢ وتر والترمذي برقم ٣٢٥١ تفسير والنسائي ٢/ ٢٠١ افتتاح. وانظر شأن الدعاء للخطابي ص ١٩١ - ١٩٢]. وقول عمر: إنّا لا نقطع في عرق ولا في عام السّنة» [تلخيص الحبير ٤/ ٧٨]، فلا يخلو عام السنة من أن يريد به الحول أو الجدب، فلا يكون الأول لأنّه يلزم أن يكون التقدير: عام العام، ولا يكون عام العام، كما لا يكون حول الحول، فإذا لم يستقم هذا، ثبت الوجه الآخر". [الحجة للقراء السبعة: [٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠]. (٤) وممن اختاره من العلماء: كالفراء في معاني القرآن: ١/ ١٧٢، وأبي عبيدة في المجاز: ١/ ٨٠، والزجاج في معاني القرآن وإعرابه: ١/ ٣٤٣، والنحاس في معاني القرآن: ١/ ٢٨٠، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: ٩٤، والطبري في جامع البيان: ٥/ ٤٦٦ - ٤٦٧، وأبي حيان في البحر المحيط: ٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦، والسمين في الدر المصون: ١/ ٣٢٦، والزمخشري في الكشاف: ١/ ٣٩٠، والشوكاني في فتح القدير: ١/ ٤١٦، وصديق خان في فتح البيان: ٢/ ١٠٧. (٥) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٦٠ - ٤٦١، والحجة للقراء السبعة: ٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩. (٦) قراءة يعقوب هي أيضاً قراءة حمزة والكسائي وخلف العاشر، وهي: حذف الهاء وصلاً وإثباتها وقفاً على أن الهاء للسكت، وهاء السكت من خواص الوقف. انظر: القراءات وعلل النحويين فيها للأزهري: ١/ ٩١ - ٩٢، النشر في القراءات العشر لابن الجزري: ٢/ ١٤٢، الغاية في القراءات العشر لابن مهران: ١١٨، المهذب في القراءات العشر د. محمد سالم محيسن: ١/ ١٠١.