للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

التفسير:

الله يتولى المؤمنين بنصره وتوفيقه وحفظه، يخرجهم من ظلمات الكفر، إلى نور الإيمان. والذين كفروا أنصارهم وأولياؤهم الأنداد والأوثان الذين يعبدونهم من دون الله، يُخرجونهم من نور الإيمان إلى ظلمات الكفر، أولئك أصحاب النار الملازمون لها، هم فيها باقون بقاء أبديًا لا يخرجون منها.

في سبب نزول الآية، روي عن "المعتمر بن سليمان، قال: سمعت منصورا، عن رجل، عن عبدة بن أبي لبابة قال في هذه الآية: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور}، إلى {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}، قال: هم الذين كانوا آمنوا بعيسى ابن مريم، فلما جاءهم محمد -صلى الله عليه وسلم- كفروا به، وأنزلت فيهم هذه الآية" (١).

قال ابن عطية: " فكأن هذا القول أحرز نورا في المعتقد خرج منه إلى ظلمات. ولفظ الآية مستغن عن هذا التخصيص. بل هو مترتب في كل أمة كافرة آمن بعضها كالعرب، ومترتب في الناس جميعا. وذلك أن من آمن منهم فالله وليه أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. ومن كفر بعد وجود الداعي النبي المرسل فشيطانه ومغويه كأنه أخرجه من الإيمان، إذ هو معد وأهل للدخول فيه. وهذا كما تقول لمن منعك الدخول في أمر ما: أخرجتني يا فلان من هذا الأمر وإن كنت لم تدخل فيه البتة" (٢).

قوله تعلى {اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: ٢٥٧]، " أي الله ناصر المؤمنين وحافظهم ومتولي أمورهم" (٣).

قال الطبري: " نصيرهم وظهيرهم، يتولاهم بعونه وتوفيقه" (٤).

قال القاسمي: أي حافظهم وناصرهم" (٥).

قال ابن عثيمين: "أي: متوليهم؛ والمراد بذلك الولاية الخاصة" (٦).

قال الشوكاني: "الولي (فعيل) بمعنى (فاعل) وهو الناصر" (٧).

قال ابن عطية: " الـ (وَلِيُّ) فعيل من ولي الشيء إذا جاوره ولزمه، فإذا لازم أحد أحدا بنصره ووده واهتباله فهو وليه" (٨).

قال الراغب: " الولي: كون الشيء بجنب الآخر، ويعتبر ذلك تارة بالمكان، فيقال له الولاية وتارة بالنصر فيقال له الولاء والموالاة، لكن الولاء على ضربين باعتبار نسبة الأعلى إلى الأسفل، وضرب باعتبار نسبة الأسفل إلى الأعلى، ولهذا يقال للخادم والمخدوم مولى، وولي، لأن كل واحد منهما يوالي الآخر الخادم بالطاعة والنصيحة، والمخدوم بالإشفاق، والكناية، وقال: أهل اللغة: المولى المالك، والمملوك والمعتق والمعتق والناصر والمنصور وابن العم والحليف والجار والقيم، وأخذوا في كل ذلك المتطابقين، لكون كل واحد مهما موالياً للآخر بوجه" (٩).


(١) أخرجه الطبري (٥٨٥٩): ص ٥/ ٤٢٦. وفي رواية ابن أبي حاتم (٢٦٣٠): ٢/ ٤٩٧: "حدثنا أبى، ثنا يحي بن المغيرة، ابنا جرير، عن منصور، عن عبدة ابن أبي لبابة، عن مقسم أو مجاهد، في قول الله عز وجل: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور قال: كان قوم آمنوا بعيسى وقوم كفروا به، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم، آمن به الذين كفروا بعيسى وكفر به الذين آمنوا بعيسى فقال: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور يخرجهم من كفرهم بعيسى إلى إيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم. وروي عن أبي مالك ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك".
(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٥.
(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٧.
(٤) تفسير الطبري: ٥/ ٤٢٥.
(٥) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٥.
(٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٧١.
(٧) فتح القدير: ١/ ٢٧٦.
(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٥.
(٩) تفسير الراغب الاصفهاني: ١/ ٥٣٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>