قال الماوردي:"والنعاس ما كان في الرأس، فإذا صار في القلب صار نوماً، وفرَّق المفضل بينهما، فقال: السِّنة في الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب. وما عليه الجمهور من التسوية بين السِّنة والنعاس أشبه، قال عدي بن الرقاع (١):
وسْنَانُ أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم" (٢)
وذكر الطبري بأن (الوسن): خثورة النوم (٣) في عين الإنسان، ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس (٤):
تعاطى الضجيع إذا أقبلت ... بعيد النعاس وقبل الوسن
وقوله الآخر (٥):
باكرتها الأغراب في سنة النو ... م فتجري خلال شوك السيال
يعني عند هبوبها من النوم ووسن النوم في عينها، يقال منه:" وسن فلان فهو يوسن وسنا وسنة وهو وسنان "، إذا كان كذلك (٦).
(١) من أبيات له في الشعر والشعراء: ٦٠٢، والأغانى ٩: ٣١١، ومجاز القرآن ١: ٧٨، واللسان (وسن) (رنق)، وفي جميعها مراجع كثيرة، وقبل البيت في ذكرها صاحبته " أم القاسم ": وكأنها وسط النساء أعارها ... عينيه أحور من جاذر جاسم وسنان أقصده النعاس .......... ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يصطاد يقظان الرجال حديثها ... وتطير بهجتها بروح الحالم والجآذر بقر الوحش، وهي حسان العيون. وجاسم: موضع تكثر فيه الجآذر. و " أقصده النعاس " قتله النعاس وأماته. يقال: " عضته حبة فإقصدته "، أي قتلته على المكان - أي من فوره. و " رفقت " أي خالطت عينه. وأصله من ترنيق الماء، وهو تكديره بالطين حتى يغلب على الماء. وحسن أن يقال هو من ترنيق الطائر بجناحيه، وهو رفرفته إذا خفق بجناحيه في الهواء فثبت ولم يطر، وهذا المجازأعجب إلى في الشعر. (٢) النكت والعيون: ١/ ٣٢٤. (٣) الخثورة: نقيض الرقة، يقال: " خثر اللبن والعسل ونحوهما "، إذا ثقل وتجمع، والمجاز منه قولهم: " فلان خاثر النفس " أي ثقيلها، غير طيب ولا نشيط، قد فتر فتورا. واستعمله الطبري استعمالا بارعا، فجعل للنوم " خثورة "، وهي شدة الفتور، كأنه زالت رقته واستغلط فثقل، وهذا تعبير لم أجده قبله. (٤) ديوانه: ١٥، وهو يلي البيت الذي سلف ١: ٣٤٥، ٣٤٦، وفي ذكر نساء استمع بهن: إذا هن نازلن أقرانهن ... وكان المصاع بما في الجون تعاطى الضجيع ........... ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . صريفية طيبا طعمها ... لها زبد بين كوب ودن وقوله " تعاطى " من قولهم للمرأة: " هى تعاطى خلها " أي صاحبها - أن تناوله قبلها وريقها. وقوله: " أقبلت "، هو عندي بمعنى: سامحت وطاوعت وانقادت، من " القبول " وهو الرضا. ولم يذكر ذلك أصحاب اللغة، ولكنه جيد في العربية، شبيه بقولهم: " أسمحت "، من السماح، إذا أسهلت وانقادت ووافقت ما يطلبه صاحبها. وذلك هو الجيد عندي. ليس من الإقبال على الشيء. بل من القبول. ويروي مكمان ذلك: " إذا سامها "، ورواية الديوان: " بعيد الرقاد وعند الوسن " والصريفية: الخمر الطيبة، جعلها صريفية، لأنها أخذت من الدن ساعتئذ، كاللبن الصريف وهو اللبن الذي ينصرف من الضرع حارا إذا حلب. وفي الديون: " صليفية "، باللام، والصواب بالراء يقول: إذا انقادت لصاحبها بعيد رقادها، أو قبل وسنها، عاطته من ريقها خمرا صرفا تفور بالزبد بين الكوب والدن، ولم يمض وقت عليها فتفسد. يقول: ريفها هو الخمر، في يقظتها قبل الوسن - وذلك بدء فتور الفس وتغير الطباع - وبعد لومها، وقد تغيرت أفواه البشر واستكرهت روائحها ينفي عنها العيب في الحالين. وذلك قل أن يكون في النساء أو غيرهن. (٥) ديوانه: ٥، واللسان (غرب)، من قصيدة جليلة، أفضى فيها إلى ذكر صاحبته له يقول قبله: وكأن الخمر العتيق من الإسفنط ... ممزوجة بماء زلال باكرتها الأغراب ....................... ... ............................... الإسفنط: أجود أنواع الخمر وأغلاها. وباكرتها، أي في أول النهار مبادرة إليها. والأغراب جمع غرب (بفتح فسكمون)، وهو القدح. والسيال: شجر سبط الأغصان، عليه شوك أبيض أصوله أمثال ثنايا اعذارى، وتشبه به أسنانهن يقول: إذا نامت لم يتغير طيب ثغرها، بل كأن الخمر تجرى بين ثناياها طيبة الشذا. وقوله: " باكرتها الأغراب "، وهو كفوله في الشعر السالف أنها " صريفية " أي أخذت من دنها لسعتها. يقول: ملئت الأقداح منها بكرة، يعنى تبادرت إليها الأقداح من دنها، وذلك أطيب لها. (٦) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٣٩٠ - ٣٩١.