قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} [البقرة: ٢٤٩]، " أي: لما اجتاز النهر مع الذين صبروا على العطش والتعب" (١).
روي عن ابن عباس: " {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه}، قال: فبرأ الذين شربوا من الإيمان، وأثبت الذين اغترفوا بأيديهم، فأثبت لهم الإيمان" (٢).
قال القرطبي: " وأكثر المفسرين: على أنه إنما جاز معه النهر من لم يشرب جملة" (٣).
قال الراغب: " وجوز الطريق وسطه، و (جاز منه) كأنه عبر الجوز، فكثر حتى صار الجايز لما لا يكره، وعلى نحوه قيل سائغ، وهو من ساغ الطعام في الحلق، وجاوز، وتجاوز استعير له هذا البناء" (٤).
قوله تعالى: {قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا اليَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} [البقرة: ٢٤٩]، يعني: قال فريق منهم: "لا قدرة لنا على قتال الأعداء مع قائد جيشهم جالوت فنحن قلة وهم كثرة كاثرة" (٥).
قال القاسمي: " لأنه سلبت شجاعتهم" (٦).
روي " عن السدي قال: فنظروا إلى جالوت، رجعوا وقالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده وكان جالوت من أعظم الناس وأشدهم بأسا، فخرج يسير بين يدي الجند، فلا يجتمع إليه أصحابه، حتى يهزم هو من لقي" (٧).
وعن الربيع، قال: "فجاء جالوت في عدد كثير وعدة" (٨).
وقد اختلف أهل التفسير في الذين قالوا: {لا طَاقَةَ لَنَا اليَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} [البقرة: ٢٤٩] (٩):
أحدهما: أنه قال ذلك مَنْ قلّت بصيرته من المؤمنين، وهو قول الحسن (١٠)، وقتادة (١١)، وابن زيد (١٢).
والثاني: وليسوا ممن شهد قتال جالوت وجنوده، لأنهم انصرفوا عن طالوت ومن ثبت معه لقتال عدو الله جالوت ومن معه، وهم الذين عصوا أمر الله لشربهم من النهر، وهو قول ابن عباس (١٣)، والسدي (١٤).
والراجح هو القول الثاني، وهو اختيار جمهور المفسرين (١٥). والله أعلم.
(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٢ - ١٤٣.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٥١٢): ص ٢/ ٤٧٥.
(٣) تفسير القطرطبي: ٣/ ٢٥٥.
(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥١١.
(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٣.
(٦) محاسن التأويل: ٢/ ١٨٢.
(٧) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٥١٦): ص ٢/ ٤٧٦.
(٨) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٥١٧): ص ٢/ ٤٧٦.
(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣١٨.
(١٠) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ٣١٨. ولم اجد الرواية عند الطبري وابن ابي حاتم.
(١١) أخرجه الطبري (٥٧٣٦): ص ٥/ ٣٥١ ..
(١٢) أخرجه الطبري (٥٤٣٨): ص: ٥/ ٣٥١.
(١٣) أخرجه الطبري (٥٧٢٢): ص: ٥/ ٣٤٥.
(١٤) أخرجه الطبري (٥٧٣٤): ص ٥/ ٣٥٠.
(١٥) قال الرازي: " لا خلاف بين المفسرين أن الذين عصوا الله وشربوا من النهر رجعوا إلى بلدهم ولم يتوجه معه إلى لقاء العدو إلا من أطاع الله تعالى في باب الشرب من النهر، وإنما اختلفوا في أن رجوعهم إلى بلدهم كان قبل عبور النهر أو بعده، وفيه قولان:
الأول: أنه ما عبر معه إلا المطيع، واحتج هذا القائل بأمور:
الأول: أن الله تعالى قال: فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه فالمراد بقوله: الذين آمنوا معه الذين وافقوه في تلك الطاعة، فلما ذكر الله تعالى كل العسكر، ثم خص المطيعين بأنهم عبروا النهر، علمنا أنه ما عبر النهر أحد إلا المطيعين.
الحجة الثانية: الآية المتقدمة وهي قوله تعالى حكاية عن طالوت فمن شرب منه فليس مني أي ليس من أصحابي في سفري، كالرجل الذي يقول لغيره: لست أنت منا في هذا الأمر، قال: ومعنى فشربوا منه أي ليتسببوا به إلى الرجوع، وذلك لفساد دينهم وقلبهم.
الحجة الثالثة: أن المقصود من هذا الابتلاء أن يتميز المطيع عن العاصي والمتمرد، حتى يصرفهم عن نفسه ويردهم قبل أن يرتدوا عند حضور العدو، وإذا كان المقصود من هذا الابتلاء ليس إلا هذا المعنى كان الظاهر أنه صرفهم عن نفسه في ذلك الوقت وما أذن لهم في عبور النهر.
القول الثاني: أنه استصحب كل جنوده وكلهم عبروا النهر واعتمدوا في إثبات هذا القول على قوله تعالى حكاية عن قوم طالوت قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالمؤمن المنقاد لأمر ربه، بل لا يصدر إلا عن المنافق أو الفاسق، وهذه الحجة ضعيفة، وبيان ضعفها من وجوه:
أحدها: يحتمل أن يقال: إن طالوت لما عزم على مجاوزة النهر وتخلف الأكثرون ذكر المتخلفون أن عذرنا في هذا التخلف أنه لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده فنحن معذورون في هذا التخلف، أقصى ما في الباب أن يقال: إن الفاء في قوله: فلما جاوزه تقتضي أن يكون قولهم: {لا طاقة لنا اليوم بجالوت} إنما وقع بعد المجاوزة، إلا أنا نقول يحتمل أن يقال: إن طالوت والمؤمنين لما جاوزوا النهر ورأوا القوم تخلفوا وما جاوزوه، سألهم عن سبب التخلف فذكروا ذلك، وما كان النهر في العظم بحيث يمنع من المكالمة، ويحتمل أن يكون المراد بالمجاوزة قرب حصول المجاوزة، وعلى هذا التقدير فالإشكال أيضا زائل.
والجواب الثاني: أنه يحتمل أن يقال: المؤمنون الذين عبروا النهر كانوا فريقين: بعضهم ممن يحب الحياة ويكره الموت وكان الخوف والجزع غالبا على طبعه، ومنهم من كان شجاعا قوي القلب لا يبالي بالموت في طاعة الله تعالى.
فالقسم الأول: هم الذين قالوا: لا طاقة لنا اليوم.
والقسم الثاني: هم الذين أجابوا بقولهم: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة.
والجواب الثالث: يحتمل أن يقال: القسم الأول من المؤمنين لما شاهدوا قلة عسكرهم قالوا: / لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده فلا بد أن نوطن أنفسنا على القتل، لأنه لا سبيل إلى الفرار من أمر الله، والقسم الثاني قالوا: لا نوطن أنفسنا بل نرجو من الله الفتح والظفر، فكان غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز الجنة، وغرض الفريق الثاني الترغيب في طلب الفتح والنصرة، وعلى هذا التقدير لا يكون في واحد من القولين ما ينقض الآخر". [مفاتيح الغيب: ٦/ ٥١٢ - ٥١٣].