وتجدر الإشارة بأن الفتح في السين، هي اللغة الفاشية، وعليها اجمع القراء، ونافع معهم، إذا لم يتصل الفعل بضمير، وايضا إذا مساواة الفعل, مع المضمر والمظهر، أولى من المخالفة بينهما، لأن المضمر عقيب المظهر، فواجب أن يكون مثله، وهو الإختيار لأجماع القراء عليه مع المضمر والمظهر، وإنما خالفهم نافع وحده مع المضمر (١)، وبه قرأ الحسن وطلحة (٢).
قوله تعالى:{قَالُوا وَمَا لَنَآ أَلا نُقَاتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ}[البقرة: ٢٤٦] يعني: "وأي داعٍ لنا إلى ترك القتال وأي غرض لنا فيه"(٣).
قال الزمخشري:"وأىّ داع لنا إلى ترك القتال، وأى غرض لنا فيه"(٤).
قال الصابوني:" أي أيُّ سببٍ لنا في ألاّ نقاتل عدونا"(٥).
قال السعدي:" أي: أي شيء يمنعنا من القتال وقد ألجأنا إليه"(٦).
واختلف في إعراب (أن) في قوله تعالى {ألّا}(٧):
القول الأول: قال الأخفش (أن) في قوله (وما لنا ألا نقاتل) زائدة.
قال الرازي"وهذا ضعيف لأن القول بثبوت الزيادة في كلام الله خلاف الأصل"(٨).
قال الطبري: وقال آخرون منهم: (أن) ها هنا زائدة بعد {ما لن}، كما تزاد بعد (لما) و (لو)، وهي تزاد في هذا المعنى كثيرا. قال: ومعناه: وما لنا لا نقاتل في سبيل الله؟ فأعمل {أن} وهي زائدة، وقال الفرزدق (٩):
لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها ... إذن للام ذوو أحسابها عمرا
والمعنى: لو لم تكن غطفان لها ذنوب (ولا) زائدة فأعملها.
(١) انظر: زاد المسير: ١/ ٢٩٢، ومغني اللبيب: ١٥٣. (٢) انظر: الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي بن ابي طالب: ١/ ٣٠٣. (٣) تفسير النسفي: ١/ ١٣٠. (٤) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩١. (٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٤١. (٦) تفسير السعدي: ١/ ١٠٧. (٧) انظر: فتح القدير: ١/ ٢٦٤. (٨) مفاتيح الغيب: ٦/ ٥٠٣. (٩) ديوانه: ٢٨٣، والخزانة ٢: ٨٧، والعيى (الخزانة) ٢: ٣٢٢ يهجو عمر بن هبيرة الفزاري وهو أحد الأمراء وعمال سليمان بن عبد الملك. وقومه. فزارة ابن ذبيان، من ولد غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر. وهو شعر جيد في بابه، وقبل البيت أبيات منها: يا قيس عيلان، إني كنت قلت لكم ... يا قيس عيلان: أن لا تسرعوا الضجرا إني متى أهج قوما لا أدع لهم ... سمعا، إذ استمعوا صوتي، ولا بصرا ثم قال بعد ذلك أبيات: لو لم تكن غطفان. . . . . . . هذا مجمع من رأيت يذهب إلى إن " الذنوب " جمع " ذنب "، وهو عندي ليس بشيء، وإنما انحطوا في آثار الأخفش، حين استشهد بالبيت على إعمال " لا " الزائدة. وصواب البيت عندي (لا ذنوب لها) وليس في البيت شاهد عندئذ. والظاهر أن الأخفش أخطأ في الاستشهاد به. والذنوب (بفتح الذال): الخط والنصب، وأصله الدلو الملأى. وهو بهذا المعنى في قوله تعالى: {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ}، أي حظا من العذاب. قال الفراء: " الذنوب الدلو العظيمة، ولكن العرب تذهب به إلى الحظ والنصيب ". وقال الزمخشري: " ولهم ذنوب من كذا " أي نصيب، قال عمرو ابن شأس: وفي كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب. أقول: يقول الفرزدق: لو لم تكن غطفان خسيسة لاحظ لها من الشرف والحسب والمروءة - " إذن للام ذوو أحسابها عمرا ". وبذلك يبرأ البيت من السخف ومن تكلف النحاة. هذا وانظر هجاء الفرزدق لعمر بن هبيرة في طبقات فحول الشعراء: ٢٨٧ - ٢٨٨ وقوله: فسد الزمان وبدلت أعلامه ... حتى أمية عن فزارة تنزع يقول: تبدلت الدنيا، حتى صارت أمية تحتمي بفزارة وتصدر عن رأيها. يتعجب من ذلك لخسة فزارة عنده.