للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال القاضي أبو محمد عبد الحق: "واستدعاء القرض في هذه الآية إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه من شبه القرض بالعمل للثواب والله هو الغني الحميد لكنه تعالى شبه عطاء المؤمن في الدنيا ما يرجو ثوابه في الآخرة بالقرض كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء وقد ذهبت اليهود في مدة النبي صلى الله عليه وسلم إلى التخليط على المؤمنين بظاهر الاستقراض وقالوا إلهكم محتاج يستقرض وهذا بين الفساد" (١).

قوله تعالى: {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [البقرة: ٢٤٥]، يعني: "فيكون جزاؤه أن يضاعف الله تعالى له ذلك القرض أضعافاً كثيرة" (٢).

قال الصابوني: "لأنه قرضٌ لأغنى الأغنياء ربّ العالمين جلّ جلاله وفي الحديث"مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيم وَلا ظَلُومٍ" (٣) " (٤).

روي عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا}، قال أبو الدحداح: يا رسول الله، أو إن الله يريد منا القرض؟ ! قال: نعم يا أبا الدحداح! قال: يدك! قال: فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، حائطا فيه ستمئة نخلة. ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه في عيالها، فناداها: يا أم الدحداح! قالت: لبيك! قال: اخرجي! قد أقرضت ربي حائطا فيه ستمئة نخلة" (٥).

وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [البقرة: ٢٤٥]، على قولين (٦):

أحدهما: بالواحد سبعمائة ضعف، وهو قول ابن زيد (٧).


(١) المحرر الوجيز: ١/ ٣٣٠.
(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٤١.
(٣) صحيح مسلم (٧٥٨): ص ١/ ٥٢٢، كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه.
(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٤١.
(٥) أخرجه الطبري (٥٦٢٠): ص: ٥/ ٢٨٤ - ٢٨٥. باسناد ضعيف. وأخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٣٠): ص ٢/ ٤٦٠.
وجزء الحسن بن عرفة برقم (٨٧) ورواه سعيد بن منصور في السنن برقم (٤١٧) تحقيق الدكتور الحميد، ومن طريقه رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٠١) عن خلف به نحوه، وحميد الأعرج ضعيف، لكن للحديث شواهد من حديث أنس وعمر رضي الله عنهما.
ولقصة أبي الدحداح أصل آخر صحيح. من حديث أنس، رواه أحمد في المسند: ١٢٥٠٩ (٣: ١٤٦ حلبي)، بإسناد صحيح: " عن أنس: أن رجلا قال: يا رسول الله، إن لفلان نخلة، وأنا أقيم حائطي بها، فأمره أن يعطيني حتى أقيم حائطي بها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أعطها إياه بنخلة في الجنة، فأبى، فأتاه أبو الدحداح، فقال: بعني نخلتك بحائطي! ففعل، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، . فقال: يا رسول الله، إني قد ابتعت النخلة بحائطي، قال: فاجعلها له، فقد أعطيتكها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم من عذق راح، لأبي الدحداح، في الجنة. قالها مرارا، قال: فأتى امرأته فقال: يا أم الدحداح، اخرجي من الحائط، فإني قد بعته بنخلة في الجنة. فقالت: ربح البيع، أو كلمة تشبهها ".
وحديث أنس هذا في مجمع الزوائد ٩: ٣٢٣ - ٣٢٤. وقال: " رواه أحمد، والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح ". ووقع في مطبوعة مجمع الزوائد سقط نحو سطر أثناء الحديث، يصحح من هذا الموضع.
وله أصل ثان صحيح. فروى مسلم في صحيحه ١: ٢٦٤، عن جابر بن سمرة، قال: " صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابن الدحداح، ثم أتى بفرس عري، فعقله رجل فركبه، فجعل يتوقص به، ونحن نتبعه نسعى خلفه، قال: فقال رجل من القوم: إن لنبي صلى الله عليه وسلم قال: كم من عذق معلق أو مدلى في الجنة لابن الدحداح ". " أو قال شعبة: لأبي الدحداح ".
و(أبو الدحداح): هو ثابت بن الدحداح، أو ابن الدحداحة. ويكنى " أبا الدحداح " أو " أبا الدحداحة "، مترجم في الإصابة ١: ١٩٩. ثم ترجمه في الكنى ٧: ٥٧ - ٥٨، وذكر الخلاف في أنه واحد أو اثنان. ثم زعم أن الحق أن الثاني غير الأول! واستدل بحديث نقله من رواية أبي نعيم ضعيف، وأن في إسناده رجلا " واهى الحديث "! ! فسقط الاستدلال به دون ريب. الحائط: بستان النخيل إذا كان عليه جدار يحيط به، فإن لم يكن عليه الحائط فهو " ضاحية ".
(٦) النكت والعيون: ١/ ٣١٣.
(٧) أخرجه الطبري (٥٦١٧): ص ٥/ ٢٨٣. عن يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد.

<<  <  ج: ص:  >  >>