أحدهما: أنه النفقة في الجهاد، وهو عمر بن الخطاب (١) وابن زيد (٢).
والثاني: النفقة في الأهل. وهو قول زيد بن أسم (٣).
والثالث: وقيل: أن القرض الحسن هو: ذكر: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر"(٤).
والرابع: أنة: أبواب البر، وهو قول الحسن (٥)، ومنه قول لبيد (٦):
فإذا جُوزِيتَ قَرْضاً فاجْزِهِ ... إنّما يَجْزي الفَتَى لَيسَ الجَمَلْ
قال الحسن: وقد جهلت اليهود لما نزلت هذه الآية فقالوا: إن الله يستقرض منا، فنحن أغنياء، وهو فقير، فأنزل الله تعالى:{لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَولَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنحَنْ أَغْنِيَاءُ}[آل عمران: ١٨١].
والراجح-والله أعلم- أن (القرض الحسن) في هذه الآية، هو النفقة في سبيل الله، إذ "يحث تعالى عباده على الإنفاق في سبيله"(٧)، وقد كرر تعالى هذه الآية في كتابه العزيز في غير موضع، وتعددت المعاني حسب السياق (٨).
(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٤٣١): ص ٢/ ٤٦٠. (٢) انظر: تفسير الطبري (٥٦٢٤): ص ٥/ ٢٩٠. (٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٢٤٣٢): ص ٢/ ٤٦٠. (٤) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٣٣): ص ٢/ ٤٦١: " حدثنا أبو سعيد بن نحيى بن سعيد القطان، ثنا قبيصة، ثنا سفيان، عن أبي حيان، عن أبيه، عن شيخ لهم أنه كان إذا سمع السائل يقول: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فقال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، هذا القرض". (٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣١٣. (٦) ديوانه: ٩١. (٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٢. (٨) تكرر لفظ (القرض الحسن) في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، ورغم هذا التعدد في الذكر لم يختلف المعنى المراد في آية من الآيات، بل كان المقصود دائما هو الترغيب في الانفاق العام في وجوه الخير والبر، كالجهاد في سبيل الله وإطعام الجائعين وكسوة العارين وتعليم الجاهلين وتطبيب المصابين. إذ أورد القرآن الكريم فى القرض ست آيات فى خمس سور جميعها مدنية أية واحدة فى أربع سور؛ وهي [المائدة: ١٢] و [التغابن: ١٧] و [البقرة: ٢٤٥] و [المزمل: ٢٠] وآيتين فى سورة [الحديد ١٨ و ١١]. وقد عبر القرآن الكريم عن القرض وهو اسم بألفاظ مختلفة مشتقة من الفعل الماضي الثلاثى (قرض) بصيغة الفعل المضارع والأمر كذلك المصدر كما يلى: - أقرضتم: {وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [المائدة: ١٢]- وأقرضوا: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} ([الحديد: ١١]- وأقرضوا: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [المزمل: ٢٠]- تقرضوا: {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} [التغابن: ١٧]- يقرض: وقد ورد مرتين فى آيتين فى سورتين كالتالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} [البقرة: ٢٤٥] {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} [الحديد: ١١]- قرضا: ورد لفظ قرضا ست مرات فى سورة البقرة والمائدة والحديد والتغابن والمزمل كما يلى: - {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} البقرة: ٢٤٥} - {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [المائدة: ١٢]- {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [الحديد: ١١]- {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [الحديد: ١٨]- {إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ} [التغابن: ١٧]- {وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المزمل: ٢٠]. والقرض فى الإسلام هو أنسب الطرق وأهم الوسائل التى تؤدى إلى نهضة المجتمع وإشاعة الأمن والسلام فى ربوعه وتؤدى إلى الرواج الاقتصادى وحل المشكلات الاجتماعية وذلك لما نستخلصه مما سبق ذكره: أولا: أن القرض يحفظ كرامة الإنسان المقترض من ذل السؤال ويفتح له باب الأمل فى عمل يعيش منه أولاً ورد القرض للمقرض فضلاً على أن المقرض لا يحب أن يمن بما قدمه وأن يخفى القرض ولا يفصح عنه. ثانياً: أن رد القرض مضمون وواجب على المقترض رده فإن تعثر: {"فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: ٢٨٠]. ثالثاً: أن الله سبحانه وتعالى يرد القرض على المقرض أضعافاً مضاعفه وأضعافاً كثيرة فثوابه أعظم من الصدقة ونهيب بالجهات الرسمية والمعنية بالدعوة إلى الله كالأزهر الشريف ووزارة الأوقاف والعلماء والداعين إلى الله أن يبينوا لعموم المسلمين معنى القرض الحسن وأثره على أمن المجتمع وشيوع المحبة فى ربوعه.