للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قلت: وجل هذه الأقوال ضعيفة لا يعول عليها، لعدم وجود النص الصحيح الذي يسندها، وأقواها قولان:

الأول: أنها العصر، وهو قول الجمهور (١).

الثاني: أنها الفجر، وهو قول جماعة من الصحابة، والتابعين، ومذهب مالك وقول الشافعي وبعض أصحابه (٢).

وفي تسميتها بالوسطى ثلاثة أوجه (٣):

أحدها: لأنها أوسط الصلوات الخمس محلاً، لأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار.

والثاني: لأنها أوسط الصلاة عدداً، لأن أكثرهن أربع وأقلهن ركعتان.

والثالث: لأنها أفضل الصلوات ووسط الشيء ووسطاه أفضله، وتكون الوُسْطَى بمعنى الفُضْلَى.

قال ابن حجر:(الأوسط): الأعدل من كل شيء، وليس المراد به التوسط بين الشيئين؛ لأن فُعلى معناها: التفضيل، ولا ينبني للتفضيل إلا ما يقبل الزيادة والنقص (٤)، والوسط: بمعنى الخيار، والعدل يقبلهما؛ بخلاف المتوسط فلا يقبلهما؛ فلا ينبني منه أفعل تفضيل (٥) (٦).


(١) وهو الذي اختاره سوى من ذكر من المصنفين في المعاني والتفسير: ابن جرير في جامع البيان: ٥/ ٢٢١، والزجاج في معاني القرآن وإعرابه: ١/ ٣٢٠، والنحاس في معاني القرآن: ١/ ٢٣٨، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: ٩١، والزمخشري في الكشاف: ١/ ٧٣٦، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ١٢٦، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم: ١/ ٢٣٥، وغيرهم. وعمدة هذا القول الأحاديث الصحيحة الصريحة، ومنها: حديث علي-رضي الله عنه-عند البخاري-فتح-: ٨/ ٤٣ رقم: ٤٥٣٣، ومسلم: ١/ ٤٣٦ رقم: ٦٢٧ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق: (حبسونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس، ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً)، وحديث ابن مسعود-رضي الله عنه-عند مسلم: ١/ ٤٣٧ رقم: ٦٢٨ قال: (حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر). ويشكل عليه ما أخرجه مالك في الموطأ: ١/ ١٣٨ - ١٣٩ رقم: ٢٥، وأحمد في المسند-تحقيق شاكر والزين-: ١٧/ ٣٣٤ رقم: ٢٤٣٢٩، ومسلم في صحيحه: ١/ ٤٣٧ - ٤٣٨ رقم: ٦٢٩، وأبو داود في سننه: ١/ ٢٨٧ رقم: ٤١٠، والترمذي في جامعه: ٥/ ٢١٧ رقم: ١٩٨٢، والنسائي في سننه الصغرى: ١/ ٢٣٦ وغيرهم عن أبي يونس مولى عائشة أنه قال: "أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} فلما بِلغتها آذنتها فأملت عليّ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} وصلاة العصر {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} قالت عائشة: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بإثبات الواو في (وصلاة العصر) والواو عاطفة، والعطف يقتضي المغايرة فتكون صلاة العصر غير الصلاة الوسطى. وقد أجاب عنها كثير من أهل العلم بأجوبة مختلفة، فمنهم من رده بزعمه أن القراءة الشاذة لا توجب علماً ولا عملاً كابن العربي في القبس: ١/ ٣١٩، والصحيح أنها متى صحت فإن لها حكم خبر الآحاد فلا تثبت بها القراءة ولكن يثبت بها الحكم. وأجاب آخرون بغير ذلك كابن حزم في المحلى: ٣/ ١٧٥ - ١٧٨، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٣/ ٢١٣، والدمياطي في كشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى: ٩٣ - ٩٧، والشوكاني في نيل الأوطار: ١/ ٣٩٩، وفتح القدير: ١/ ٣٨٢، وصديق خان في فتح البيان: ٢/ ٥٤ - ٥٥، وغيرهم. وأوجز القوم عبارة مع الوفاء بالمقصود ابن حجر في الفتح: ٨/ ٤٥ إذ ذكر حجج من قال بأن الصلاة الوسطى غير العصر ومنها حديث عائشة هذا ثم قال: "فتمسك قوم بأن العطف يقتضي المغايرة فتكون صلاة العصر غير الوسطى. وأجيب بأن حديث علي ومن وافقه أصح إسناداً وأصرح، وبأن حديث عائشة قد عورض برواية عروة أنه كان في مصحفها: (وهي العصر) فيحتمل أن تكون الواو زائدة، ويؤيده ما رواه أبو عبيد بإسناد صحيحع عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر) بغير واو، أو هي عاطفة لكن عطف صفة لا عطف ذات، وبأن قوله: (والصلاة الوسطى والعصر) لم يقرأ بها أحد، ولعل أصل ذلك ما في حديث البراء أنها نزلت أولاً والعصر ثم نزلت ثانياً بدلها والصلاة الوسطى، فجمع الراوي بينهما، ومع وجود الاحتمال لا ينهض الاستدلال، فكيف يكون مقدماً على النص الصريح بأنها صلاة العصر".
(٢) انظر: التمهيد لابن عبد البر: ٤/ ٢٨٤، شرح السنة للبغوي: ٢/ ٢٣٥، شرح مسلم للنووي: ٥/ ١٧٩، القبس لابن العربي: ١/ ٣٢٠، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٢١٠ - ٢١١ وغيرها. وهذا القول مع صحته عن عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تُقَاوَم بقولهم النصوص النبوية الصحيحة الصريحة التي إذا أشرق نورها غاب ما سواها، انظر: كشف المغطى للدمياطي: ١٥٥، شرح مسلم للنووي: ٥/ ١٨٠، الحاوي للماوردي: ٢/ ٨ - ٩، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٦٥، نيل الأوطار: ١/ ٣٩٦، وفتح القدير: ١/ ٣٨١ كلاهما للشوكاني، فتح البيان لصديق خان: ٢/ ٥٦ وغيرها.
(٣) النكت والعيون: ١/ ٣٠٩.
(٤) انظر: شرح ابن عقيل: ٢/ ١٧٤ و: ٢/ ١٥٤، وأوضح المسالك لابن هشام: ٣/ ٢٨٦ و: ٣/ ٢٦٧، والتطبيق الصرفي للراجحي: ٩٤.
(٥) انظر نحو من هذا الكلام في: الدر المصون للسمين: ١/ ٥٨٩، والبحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٢٤٠، وقد ذهب إلى ذلك الشوكاني في فتح القدير: ١/ ٣٨٠، وصديق خان في فتح البيان: ٢/ ٥٢. والأمر فيه اختلاف كما أبان ذلك أبو حيان في البحر: ٢/ ٢٤٠ إذ قال: (وهل سميت الوسطى لكونها بين شيئين من وسط فلان يَسِط إذا كان وسطاً بين شيئين، أو من وسط قومه إذ فضلهم، فيه قولان ... )، وقد ذهب إلى القول الأول ابن جرير في جامع البيان: ٥/ ٢٢٧، والنحاس في معاني القرآن: ١/ ٢٣٨، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: ٩١، كما أجاز الأمرين الزمخشري في الكشاف: ١/ ٣٧٦، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ١٢٦، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم: ١/ ٢٣٥.
(٦) الفتح: ٨/ ٤٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>