للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال أبو حيان: " وإذا كان العزم منهياً عنه فأحرى أن ينهي عن العقدة " (١).

وقد ذكر العلماء في لفظ العزم وجوها (٢):

الأول: أنه عبارة عن عقد القلب على فعل من الأفعال، قال تعالى: فإذا عزمت فتوكل على الله [آل عمران: ١٥٩]

القول الثاني: أن يكون العزم عبارة عن الإيجاب، يقال: عزمت عليكم، أي أوجبت عليكم ويقال: هذا من باب العزائم لا من باب الرخص، وقال عليه الصلاة والسلام: "عزمة من عزمات ربنا" (٣)، وقال: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه" (٤).

قال الرازي": "ولذلك فإن العزم بهذا المعنى جائز على الله تعالى، وبالوجه الأول لا يجوز، وعلى هذا فقوله: {ولا تعزموا عقدة النكاح}، أي لا تحققوا ذلك ولا تنشئوه، ولا تفرغوا منه فعلا، حتى يبلغ الكتاب أجله، وهذا القول هو اختيار أكثر المحققين" (٥).

القول الثالث: قال القفال رحمه الله: "إنما لم يقل ولا تعزموا على عقدة النكاح، لأن المعنى: لا تعزموا عليهن عقدة النكاح، أي لا تعزموا عليهن أن يعقدن النكاح، كما تقول: عزمت عليك أن تفعل كذا" (٦).

و(أجل) الشيء: "منتهاه، وغايته؛ أي حتى يبلغ غايته حسب ما فرض الله سبحانه وتعالى" (٧).

وفي {الْكِتَابُ} [البقرة: ٢٣٥]، قولان (٨):

الأول: المراد منه: المكتوب، والمعنى: تبلغ العدة المفروضة آخرها، وصارت منقضية.

والثاني: أن يكون الكتاب نفسه في معنى الفرض، كقوله: {كتب عليكم الصيام} [البقرة: ١٨٣]، فيكون المعنى حتى يبلغ هذا التكليف آخره ونهايته.

قال النسفي: " وسميت العدة كتاباً لأنها فرضت بالكتاب يعني حتى يبلغ التربص المكتوب عليها أجله أي غايته" (٩).

قال الرازي: "وإنما حسن أن يعبر عن معنى: فرض، بلفظ كتب، لأن ما يكتب يقع في النفوس أنه أثبت وآكد" (١٠).


(١) تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٣٨.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب: ٦/ ٤٧٢.
(٣) مسند الإمام احمد (١٩٥١٤): ص ٥/ ٢، وسنن النسائي (٢٤٤٤): ص ٥/ ١٦. من حديث بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عن لابيه عن جده. سنن ابي داود (١٥٧٥): ص ٢/ ١٠١.
(٤) مصنف أبي شيبة: ٦/ ٢٣٤، والسنن الكبرى: ٣/ ١٤٠. والمعجم الكبير: (١٠٠٣٠): ص ١٠/ ٨٥.
(٥) انظر: مفاتيح الغيب: ٦/ ٤٧٢.
(٦) مفاتيح الغيب: ٦/ ٤٧٣.
(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٦١. وقال: والمراد بـ {الكتاب}، هنا - كما ذكره المفسرون - "العدة؛ لأن الله سبحانه وتعالى فرضها؛ فهي مفروضة؛ يعني حتى يبلغ المفروض أجله؛ والمفروض هي العدة؛ ويحتمل أن يكون المراد بـ {الكتاب} هنا ما يكتبونه عند ابتداء سبب العدة من موت، أو طلاق، أو نحوه، كأن يقال مثلاً: توفي في يوم كذا؛ ويكون هذا داخلاً في قوله تعالى: {وأحصوا العدة} يعني اضبطوها، وحرروها؛ وعلى هذا فيكون المعنى الكتاب المكتوب الذي فيه بيان متى كان سبب العدة من وفاة، أو طلاق". [تفسيره: ١/ ١٦١].
(٨) انظر: مفاتيح الغيب: ٦/ ٤٧٣، والنكت والعيون: ١/ ٣٠٤.
(٩) تفسير النسفي: ١/ ١٢٧.
(١٠) مفاتيح الغيب: ٦/ ٤٧٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>