للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد اختلف أهل العلم في وجوب الإِحْدَادِ فيها على قولين (١):

أحدهما: أن الإِحْدَاد فيها واجب، وهو قول ابن عباس (٢)، وابن عمر (٣)، والزهري (٤).

والثاني: ليس بواجب، وقالوا: ": إنما أمرت المتوفى عنها زوجها أن تربص بنفسها عن الأزواج خاصة، فأما عن الطيب والزينة والمبيت عن المنزل، فلم تنه عن ذلك، ولم تؤمر بالتربص بنفسها عنه" (٥). وهو قول الحسن (٦)، وابن عباس (٧) في أحد قوليه.

واستدلوا بدليلين:

الأول: حديث أسماء بنت عميس رضي الله عنها: روى عبد الله ابن شداد بن الهاد، عن أسماء بنت عُمَيس قالت: لمّا أصيب جعفر بن أبي طالب، قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " تَسَلَّبي ثَلاثاً ثُمَّ اصْنَعِي مَا شِئْتِ" (٨).

قال ابن القيم رحمه الله في بيان وجه استدلالهم بهذا الحديث: " قالوا: وهذا ناسخ لأحاديث الإحداد لأنه بعدها، فإن أم سلمة رضي الله عنها روت حديث الإحداد وأنه - صلى الله عليه وسلم - أمرها به إثر موت أبي سلمة لا خلاف أن موت أبي سلمة كان قبل موت جعفر رضي الله عنهما (٩).

ثانياً: ما رواه ابن عمر رضي الله عنه مرفوعاً: "لا إحداد فوق ثلاث" (١٠).

والراجح هو قول الجمهور، وقد أجابوا عما استدل به أصحاب القول الثاني بما يلي:

أولا: - أما حديث أسماء بنت عميس:


(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٠٢.
(٢) انظر: تفسير الطبري (٥٠٨٣): ص ٥/ ٨٦.
(٣) انظر: تفسير الطبري (٥٠٨٢): ص ٥/ ٨٥.
(٤) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٨٥ - ٨٦.
(٥) تفسير الطبري: ٥/ ٨٦.
(٦) انظر: تفسير الطبري (٥٠٨٥): ص ٥/ ٨٦.
(٧) انظر: تفسير الطبري (٥٠٨٦): ص ٥/ ٨٥.
(٨) رواه الإمام أحمد (٦/ ٣٦٩، ٤٣٨)، ولفظه [أي أحمد]: دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليوم الثالث من قتل جعفر فقال: " لا تحدي بعد يومك هذا"، وروا ابن حبان (الإحسان) واللفظ له (٧/ ٤١٨)، برقم (٣١٤٨) والبيهقي (٧/ ٤٣٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٧٥) والطبراني في الكبير (٢٤/ ١٩٣) برقم (٣٦٩) بلفظ " تسكني ثلاثاً " وقد ذكر أهل العلم لهذا الحديث ثلاثة علل: ١ - لانقطاع بين عبد الله بن شداد وأسماء، ٢ - الكلام في محمد بن طلحة، ٣ - شذوذ في لفظ الحديث.
أما الإسناد: قال البيهقي: "لم يثبت سماع عبد الله من أسماء، وقد قيل فيه: عن أسماء، فهو مرسل، ومحمد بن طلحة ليس بالقوي، والأحاديث قبله أثبت فالمصير إليها أولى".
لكن تعقبه ابن التركماني بقوله: قلت: "ابن شداد لم يُذكر من المدلسين والعنعنة من غير المدلس محمولة على الاتصال إذا ثبت اللقاء أو أمكن". (سنن البيهقي مع الجوهر النقي) (٧/ ٤٣٨).
وقال الحافظ: "وهذا تعليل مدفوع؛ فقد صححه أحمد". (الفتح: ١٢/ ٢٣٣).
وقال الألباني: "أما الانقطاع فدعوى باطلة؛ فإن عبد الله من كبار التابعين الثقات، ولد على عهد النبي r، وأسماء خالته، ولم يُرمَ بتدليس". (السلسلة الصحيحة) (٧/ ٦٨٤).
وبهذا يتبين أن هذه العلة مردودة.
(٩) زاد المعاد ٥/ ٦٩٧.
(١٠) قال الحافظ فى " الفتح " ٩/ ٤٨٧: ذكر الأثرم أن أحمد سئل عن حديث حنظلة عن سالم عن ابن عمر رفعه " لا إحداد فوق ثلاث " فقال: هذا منكر، والمعروف عن ابن عمر من رأيه أ. هـ. ويحتمل أن يكون لغير المرأة المعتدة فلا نكارة فيه، بخلاف حديث أسماء والله أعلم.

<<  <  ج: ص:  >  >>