قال ابن حجر:" وهو شذود مردود (١)؛ لأنه إحداث خلاف بعد استقرار الإجماع (٢)، والسبب الحامل له الحرص على العمل بالآيتين اللتين تعارض عمومهما فقوله تعالى:{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} عام في كل من مات عنها زوجها يشمل الحامل وغيرها، وقوله تعالى:{وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}[الطلاق: ٤] عام أيضاً يشمل المطلقة والمتوفى عنها، فجمع أولئك بين العمومين بقصر الثانية على المطلقة بقرينة ذكر عِدَد المطلقات، كالآيسة والصغيرة قبلهما، ثم لم يهملوا ما تناولته الآية الثانية من العموم لكن قصروه على من مضت عليها العدة ولم تضع، فكان تخصيص بعض العموم أولى وأقرب إلى العمل بمقتضى الآيتين من إلغاء أحدهما في حق بعض من شمله العموم (٣).
ويترجح قول الجمهور أيضاً بأن الآيتين، وإن كانتا عامتين من وجه خاصتين من وجه فكان الاحتياط أن لا تنقضي العدة إلا بآخر الأجلين، لكن لما كان المعنى المقصود الأصلي من العدة براءة الرحم-ولا سيما فيمن تحيض-يحصل المطلوب بالوضع، ووافق ما دل عليه حديث (٤)(٥) ويقويه قول ابن مسعود في تأخر نزول آية الطلاق عن آية البقرة (٦) " (٧).
قال ابن عبدالبر رحمه الله:" وأما مذهب علي وابن عباس – في هذه المسألة – فمعناه الأخذ باليقين.
وجملة {يَتَرَبَّصْن} خبر {َالَّذِينَ}؛ وفيها أشكال، حيث لم يوجد رابط يربطها بالمبتدأ؛ لأن قوله تعالى:{يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} ليس فيها ضمير يعود على {َالَّذِينَ}؛ فاختلف الناس في كيفية الربط بين المبتدأ، والخبر على قولين (٨):
أحدهما: أن التقدير: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بعدهم؛ وعلى هذا يكون الضمير: في (بعدهم) هو الرابط الذي يربط بين المبتدأ، والخبر.
والثاني: أن التقدير: وأزواج الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن؛ فقدر المبتدأ.
قال ابن عثيمين: "هذان وجهان؛ ولكن الأول أيسر من الثاني، وأقرب. والله أعلم" (٩).
قال الماوردي: "والإِحْدَادُ: الامتناع من الزينة، والطيب، والترجل، والنُّقْلة" (١٠).
(١) أي: موافقة سحنون من المالكية لعلي-رضي الله عنه-كما نقله المازري وغيره بأن الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد آخر الأجلين خلافاً لقول جمهور العلماء من السلف وأئمة الفتوى في الأمصار الذين يقولون بأنها تحل بوضع الحمل وتنقضي عدة الوفاة بذلك. انظر: فتح الباري: ٩/ ٣٨٤، المعلم بفوائد مسلم للمازري: ٢/ ١٣٦، إكمال المعلم للأبي: ٥/ ٢٣٧. (٢) ذكر الإجماع واستقراره غير واحد من أهل العلم، انظر: أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٦٦، الأم للشافعي: ٥/ ٢٢٣، الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر: ٤/ ٢٨١، الاستذكار لابن عبد البر: ١٨/ ١٧٧ - ١٧٨، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٥٣، المغني لابن قدامة: ١١/ ٢٢٧، الإفصاح لابن هبيرة: ٢/ ١٧٤، إعلام الموقعين لابن القيم: ٢/ ٨٦، الروضة الندية لصديق خان: ٢/ ١٤٥، روح المعاني للألوسي: ٢/ ١٤٩، أحكام المرأة الحامل في الشريعة الإسلامية للخطيب: ٩٤. (٣) انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٧٥، الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر: ٤/ ٢٨١، الاستذكار لابن عبد البر: ١٨/ ١٧٧، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٦٦، المبسوط للسرخسي: ٦/ ٣١، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ١٧٥، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٣٦٩، التحرير والتنوير لابن عاشور: ٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥، أحكام المرأة الحامل في الشريعة الإسلامية للخطيب: ٨٩ - ٩٠. (٤) هي: سبيعة بنت الحارث الأسلمية، صحابية، زوج سعد بن خولة، لها رواية في الصحيحين. انظر: الإصابة لابن حجر: ٤/ ٣١٧، تقريب التهذيب لابن حجر: ١٣٥٧. (٥) رواه البخاري في صحيحه-فتح-: ٩/ ٣٧٩ رقم: ٥٣١٨ عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: (أن امرأة من أسلم-يقال لها: سبيعة-كانت تحت زوجها توفي عنها وهي حبلى فخطبها أبو السنابل بن بَعْكَك فأبت أن تنكحه فقال: والله ما يصلح أن تنكحيه حتى تعتدي آخر الأجلين، فمكثت قريباً من عشر ليال ثم جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: انكحي). (٦) البخاري-فتح-: ٨/ ٥٢٢ رقم: (٤٩١٠). (٧) الفتح: ٩/ ٣٨٤ - ٣٨٥. (٨) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٥٣. (٩) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٥٣. (١٠) النكت والعيون: ١/ ٣٠٢.