٢١ - ومن فوائد الآية: أن ما جاء في كتاب الله موعظة يتعظ بها العبد؛ و «الاتعاظ» معناه أن الإنسان يجتنب ما فيه مضرة إلى ما فيه منفعة؛ يقال: وعظته فاتعظ - أي انتفع، وترك ما فيه مضرته إلى ما فيه مصلحته؛ لقوله تعالى: {يعظكم به} [البقرة: ٢٣١].
٢٢ - ومنها: ثبوت رحمة الله عزّ وجلّ، وأن الله تعالى ذو رحمة واسعة؛ لقوله تعالى: {وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به}؛ فرحمة الله تعرف بآثارها.
٢٣ - ومنها: وجوب التقوى؛ لقوله تعالى: {واتقوا الله}.
٢٤ - ومنها: عموم علم الله لكل شيء؛ لقوله تعالى: {أن الله بكل شيء عليم}.
٢٥ - ومنها: تحذير المرء من المخالفة؛ لأنه إذا علم أن الله بكل شيء عليم حذر من مخالفته؛ ولهذا أعقبها بعد الأمر بالتقوى، وقال تعالى: {واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم}.
٢٦ - ومنها: الرد على غلاة القدرية الذين يقولون: إن الله لا يعلم أفعال العباد حتى تقع منهم؛ وهذا كان الغلاة يقولونه قديماً؛ قال شيخ الإسلام: «ومنكروه اليوم قليل»؛ والقدرية هم الذين يقولون: إن للعبد مشيئة، وقدرة مستقلتين عن الله عزّ وجلّ.
القرآن
{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)} [البقرة: ٢٣٢]
في سبب نزول الآية ثلاثة أقوال:
احدها: أخرج الواحدي عن الحسن أنه قال في قول الله - عز وجل - {فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا} الآية، قال: "حدثني معقل بن يسار أنها نزلت فيه قال: كنت زوجت أختا لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وأفرشتك وأكرمتك فطلقتها، ثم جئت تخطبها؟ لا والله لا تعود إليها أبدا قال: وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله - عز وجل - هذه الآية فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، فزوجتها إياه" (١).
والثاني: قال السدي: "نزلت في جابر بن عبد الله الأنصاري، وكانت له ابنة عم فطلقها زوجها تطليقة، فانقضت عدتها، ثم رجع يريد رجعتها. فأما جابر فقال: طلقت ابنة عمنا، ثم تريد أن تنكحها الثانية! وكانت المرأة تريد زوجها، قد راضته. فنزلت هذه الآية" (٢).
(١) اسباب النزول: ٨٠ - ٨١، وأخرجه البخاري (فتح الباري: ٩/ ١٨٣ - ح: ٥١٣٠) وأبو داود (٢/ ٥٦٩ - ح: ٢٠٨٧) وابن جرير (٢/ ٢٩٧) والحاكم (المستدرك: ٢/ ٢٨٠) وابن أبي حاتم وابن مردويه (تفسير ابن كثير: ١/ ٢٨٢) والدارقطني (الصحيح المسند للوادعي: ١٩) من طريق يونس بن عبيد عن الحسن به.
وفي رواية أخرى أخرج الواحدي عن معقل بن يسار أنه قال: "كانت لي أخت فخطبت إلي وكنت أمنعها الناس، فأتاني ابن عم لي فخطبها فأنكحتها إياه فاصطحبا ما شاء الله، ثم طلقها طلاقا له رجعة، ثم تركها حتى انقضت عدتها فخطبها مع الخطاب، فقلت: منعتها الناس وزوجتك إياها، ثم طلقتها طلاقا له رجعة، ثم تركتها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إلي أتيتني تخطبها، لا أزوجك أبدا فأنزل الله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه". [أسباب النزول: ٨١، وأخرجه الطبراني (المعجم الكبير: ٢٠/ ٢٠٥ - ح: ٤٦٨) وابن جرير (٢/ ٢٩٨) والطيالسي (منحة المعبود: ٢/ ١٤ - ح: ١٩٣٤) من طريق عباد به. وإسناده حسن].
(٢) تفسير الطبري (٤٩٣٩): ص ٥/ ٢١ - ٢٢. وأخرجه الواحدي في أسباب النزول: ٨٢، ووابن المنذر (فتح القدير: ١/ ٢٤٤) وابن مردويه (لباب النقول: ٤٧) من طريق عمرو بن حماد به.
وقد سبق تضعيف هذا السند، ولذا قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى - "والصحيح الأول" (تفسير ابن كثير: ١/ ٢٨٢) - يعني حديث معقل بن يسار - وتبعه الإمام السيوطي (لباب النقول: ٤٧).