للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الثاني: لا يتعارض هذا المقصد مع تشريع الطلاق وإعطاء الزوج الحق في إنهاء العلاقة الزوجية، وهذا الحق له وحده لا يشاركه فيه غيره إلا في مواضع محصورة ومستثناه تقدم ذكرها.

يقول ابن عاشور رحمه الله: "وقد يعرض من تنافر الأخلاق وتجافيها ما لا يطمع معه في تكوين هذه العلاقة فاحتيج إلى الطلاق للتخلص من هذه الصحبة، لئلا تنقلب سبب شقاق وعداوة فالتخلص قد يكون مرغوباً لكلا الزوجين" (١).

قال الإمام الشاطبي رحمه الله في كتابه "الموافقات": "أدلة الشريعة لا تتعارض في نفس الأمر، ولذلك لا تجد البتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما، بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن قد يقع التعارض في فهم الناظرين" (٢).

و- أن الإشهاد على الطلاق ضروري، يقول الله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: ٢]، ولا يتم الطلاق إلا به لحماية الأسرة من الانهيار بفعل بعض الأهواء والنزوات الشخصية التى لا تستند إلى العقل.

وجواب ذلك من وجهين:

الأول: أنه أجمع العلماء على عدم وجوب الإشهاد في الطلاق (٣).


(١) التحرير والتنوير: ٢/ ٣٧٩.
(٢) الموافقات في أصول الشريعة، ٤/ ٢١٧.
(٣) علم أن جمهور أهل العلم يذهبون إلى عدم اشتراط الإشهاد على الطلاق لوقوعه، بل وينقلون الإجماع على هذا كما فعل الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى وغيره، وإن اختلفوا في استحبابه من عدمه على قولين.
وذهب آخرون منهم ابن عباس وعمران بن حصين وعطاء والضحاك والسدي وابن حزم ومن المعاصرين العلامة أحمد شاكر والإمام الألباني وغيرهم من العلماء إلى اشتراط الإشهاد في الطلاق ووجوبه.
وعمدة القائلين بهذا القول – الثاني - هو قول الله عز وجل في سورة الطلاق: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق: ١ - ٢].
فقالوا أن الأمر بالإشهاد في هذه الآية عائد على الطلاق والرجعة معاً، وقال غيرهم بل هو عائد على الأمر بالرجعة، ومن ثم اختلفوا في دلالة هذا الأمر فمن قائل أنه للوجوب، ومن أو للندب، أو للإرشاد.
قال السمعاني في تفسيره (٥/ ٤٦١): " قوله: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الإشهاد واجب في الطلاق والرجعة بظاهر الآية.
والقول الثاني: أن الإشهاد يجب في الرجعة ولا يجب في المفارقة وهو أحد قولي الشافعي رضي الله عنه وهو قول طاوس من التابعين.
والقول (الثالث): أنه يندب إلى الإشهاد في الرجعة، ولا يجب، وعليه أكثر أهل العلم، وهو قول آخر الشافعي رحمه الله عليه " ا. هـ
وقال القنوجي في نيل المرام من تفسير آيات الأحكام (٤٥١): " وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ: على الرجعة، وقيل: على الطلاق، وقيل: عليهما قطعا للتنازع وحسما لمادة الخصومة. والأمر للندب كما في قوله: {وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ} [البقرة: ٢٨٢].
وقيل: إنه للوجوب. وإليه ذهب الشافعي. قال: الإشهاد واجب للرجعة مندوب إليه في الفرقة، وإليه ذهب أحمد بن حنبل، وفي قول للشافعي: إن الرجعة لا تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق. وروي نحو هذا عن أبي حنيفة وأحمد" ا. هـ
والظاهر من سياق الآيات أن الأمر عائد على الطلاق والرجعة معاً، بل إن السورة بأكملها باسم الطلاق، فهي بيان لأحكامه ومسائله. ولا يضر أن يكون الأمر بالإشهاد عائد على الأمرين معاً.
قال في التحرير والتنوير (٢٨/ ٣٠٩): " {وأشهدوا ذوي عدل} منكم ظاهر وقوع هذا الأمر بعد ذكر الإمساك أو الفراق، أنه راجع إلى كليهما لأن الإشهاد جعل تتمة للمأمور به في معنى الشرط للإمساك أو الفراق لأن هذا العطف يشبه القيد وإن لم يكن قيدا وشأن الشروط الواردة بعد جمل أن تعود إلى جميعها.
وظاهر صيغة الأمر الدلالة على الوجوب فيتركب من هذين أن يكون الإشهاد على المراجعة وعلى بت الطلاق واجبا على الأزواج لأن الإشهاد يرفع أشكالا من النوازل وهو قول ابن عباس وأخذ به يحيى بن بكير من المالكية والشافعي في أحد قوليه وابن حنبل في أحد قوليه وروي عن عمران بن حصين وطاوس وإبراهيم وأبي قلابة وعطاء. وقال الجمهور: "الإشهاد المأمور به الإشهاد على المراجعة دون بت الطلاق ".
واختار هذا القول – أي أن الأمر بالإشهاد عائد على الطلاق والرجعة – كثير من المفسرين، وإليك بعضاً من أقوالهم في هذه المسألة – وأنا أنقل كلامهم أن الأمر هنا عائد على الطلاق والرجعة معاً، وأعرف أن منهم من يقول بأن دلالة الأمر هنا ليست للوجوب ولهم قول آخر في حكم التطليق بدون الإشهاد، فاعرف هذا، لأن المراد من نقل أقوالهم تأييد القول بأن الأمر عائد على الطلاق والرجعة معاً -:
قال الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٣٥٠): " أمر بالإشهاد على الرجعة والفرقة أيتهما اختار الزوج ".
وقال ابن أبي زمنين في تفسيره (٤/ ٤٠٢): " قَوْله: {وَأشْهدُوا ذَوي عدل مِنْكُم} يَعْنِي: على الطَّلَاق والمراجعة".
قال الثعلبي في تفسيره (٩/ ٣٣٥): " {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} على الرجعة والفراق ".
قال الواحدي في تفسيره (١١٠٧): " على الرَّجعة أو الفراق ".
قال البغوي في تفسيره (٨/ ١٥٠): " على الرجعة والفراق. أمر بالإشهاد على الرجعة وعلى الطلاق ".
قال في الكشاف (٤/ ٥٥٥): " {وَأَشْهِدُوا}: يعنى عند الرجعة والفرقة جميعا ".
قال ابن الجوزي في زاد المسير (٤/ ٢٩٧): " قال المفسرون: أشهدوا على الطلاق، أو المراجعة ".
قال البقاعي في نظم الدرر (٢٠/ ١٤٨): " {وأشهدوا} أي على المراجعة أو المفارقة {ذوي عدل} أي مكلفين حرين ثقتين يقظين {منكم} أي مسلمين وهو أمر إرشاد مندوب إليه ".
قال السيوطي: (٨/ ١٩٣) " عند الطلاق وعند المراجعة ".
قال الشوكاني: (٦/ ٣٠٠) في مسألة الإشهاد على الرجعة: " ومن الأدلة على عدم الوجوب: أنه قد وقع الإجماع على عدم وجوب الإشهاد في الطلاق، كما حكاه الموزعي في تيسير البيان، والرجعة قرينته، فلا يجب فيها، كما لا يجب فيه " انتهى من "نيل الأوطار".
قال أبو السعود في تفسيره (٨/ ٢٦١): "عند الرجعةِ والفرقة قطعا للتنازع وهذ أمرُ ندبٍ ".
قال الألوسي في روح المعاني (١٤/ ٣٣٠): " وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ عند الرجعة إن اخترتموها أو الفرقة إن اخترتموها تبريا عن الريبة وقطعا للنزاع، وهذا أمر ندب ".
قال السعدي (٨٦٩): " {وَأَشْهِدُوا} على طلاقها ورجعتها {ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} أي: رجلين مسلمين عدلين، لأن في الإشهاد المذكور، سدًا لباب المخاصمة، وكتمان كل منهما ما يلزمه بيانه".
قال الشيخ أحمد شاكر – رحمه الله تعالى – في كتابه " نظام الطلاق في الإسلام " (صفحة: ٨٠): الظاهر من سياق الآيتين أن قوله تعالى {وَأَشْهِدُوا} راجع إلى الطلاق وإلى الرجعة معا والأمر للوجوب، لأنه مدلوله الحقيقي، ولا ينصرف إلى غير الوجوب - كالندب- إلا بقرينة، ولاقرينة هنا تصرفه عن الوجوب. بل القرائن هنا تؤيد حمله على الوجوب: لأن الطلاق عمل استثنائي يقوم به الرجل - وهو أحد طرفي العقد – وحده، سواء أوافقته المرأة أم لا، كما أوضحنا ذلك مراراً، وتترتب عليه حقوق للرجل قبل المرأة، وحقوق للمرأة قبل الرجل، وكذلك الرجعة، ويخشى فيهما الإنكار من أحدهما، فإشهاد الشهود يرفع احتمال الجحد، ويثبت لكل منهما حقه قبل الآخر. فمن أشهد على طلاقه فقد أتى بالطلاق على الوجه المأمور به، ومن أشهد على الرجعة فكذلك، ومن لم يفعل فقد تعدى حد الله الذي حده له فوقع عمله باطلا لا يترتب عليه أي أثر من آثاره. وهذا الذي اخترناه هو قول ابن عباس. فقد روى عنه الطبري في التفسير (ج ٢٨ ص ٨)، قال: " إن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد رجلين، كما قال تعالى {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} عند الطلاق وعند الرجعة ". وهو قول عطاء أيضا. فقد روى عنه عبد الرزاق وعبد بن حميد قال: " النكاح بالشهود، والطلاق بالشهود، والمراجعة بالشهود " نقله السيوطي في الدر المنثور (ج ٦ ص ٢٣٢) والجصاص في أحكام القرآن بمعناه (ج ٣ ص ٤٥٦). وكذلك هو قول السدي. فقد روى عنه الطبري قال في قوله: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}: " على الطلاق والرجعة ". انتهى.
وقال ابن حزم في المحلى (ج ١٠ ص ٢٥١ بواسطة كتاب الشيخ أحمد شاكر): " فإن راجع ولم يشهد فليس مراجعا لقول الله تعالى {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} ولم يُفرق عز وجل بين المراجعة والطلاق والإشهاد، فلا يجوز إفراد بعض ذلك عن بعض، وكل من طلق ولم يشهد ذوى عدل، أو رجع ولم يشهد ذوى عدل: - متعديا لحدود الله تعالى، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ".
فإن قال قائل أن الإجماع قد نقل على خلاف هذا؟
يقال: هذا إجماع مدعى! وكم من إجماع سيق بدون بينة ولا برهان، وبرهان ذلك ما رواه أبو داود (٢١٨٦) وكذا ابن ماجه (٢٠٢٥) عن جعفر بن سليمان الضبعى عن يزيد الرشك عن مطرف بن عبد الله بن الشخير: " أن عمران بن حصين سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال: " طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة , أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد ".
قال الشيخ الألباني رحمه الله في إرواء الغليل (٢٠٧): قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
وله طريق أخرى , فقال ابن أبى شيبة (٧/ ٧٧/٢): أخبرنا الثقفى عن أيوب عن محمد عن عمران بن حصين به.
وأخرجه البيهقى (٧/ ٣٧٣) من طريق قتادة ويونس عن الحسن وأيوب عن ابن سيرين به.
قلت: وهو منقطع لأن محمد بن سيرين لم يسمع من عمران بن حصين " انتهى
وما في تفسير الطبري (٢٣/ ٤٤٤): "حدثني عليّ، قال: ثنا أَبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال: (إن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها، أشهد رجلين كما قال الله (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) عند الطلاق وعند المراجعة ".
وما في مصنف ابن أبي شيبة (١٩٠٠٤) حدثنا أبو بكر قال: نا أبو معاوية، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن ابن الزبير طلق امرأته فلم يعلنها [٣] سَنَةً، فقال ابن عمر: " بئس ما صنع".
وما فيه أيضاً (١٧٧٧٩) "حدثنا أبو بكر قال: نا يحيى بن عبد الملك بن أبي غَنِيَّةَ عن جُوَيْبِر عن الضَّحَّاك في قوله: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} قال: (أُمِرُوا أن يُشْهِدُوا عند الطلاق والرجعة".
وفيه (١٧٧٨١) حدثنا أبو بكر قال: نا وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء قال: "الفرقة، والرجعة بالشهود ".
وفيه (١٩٠٠٥) حدثنا أبو بكر قال: نا وكيع، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، عن محمد بن المنتشر، " أن شريحا طلق امرأته، فكتمها الطلاق حتى انقضت عدتها، فعابوا ذلك عليه".
وما في تفسير الطبري (٢٣/ ٤٤٤): حدثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) قال: " على الطلاق والرجعة"، في تفسير ابن كثير (٨/ ١٤٥): " وقال ابن جريج: كان عطاء يقول: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} قال: " لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا رجاع إلا شاهدا عدل، كما قال الله، عز وجل، إلا أن يكون من عذر".
ومما يؤيد هذا الرأي أيضاً ويدل عليه: خطورة الطلاق والمترتب عليه فلإن كان بناء هذه الأسرة مفتقر إلى الإشهاد فإن افتقار هدمها إلى هذا أولى وأجدر: قال الإمام الألباني في الشريط الثامن من سلسلة الهدى والنور: "لا يرتاب عاقل في أن الطلاق بالنسبة للنكاح هو كالهدِم بالنسبة للبناء، فإنسان يبني دارا ثم يهدمها، يبني دارا ينفق عليها أموال طائلة وأوقات عديدة وو تكاليف ثم ما إذا أراد هدمها، هدمها بساعة من نهار، الهدِم أصعب من البناء، لأنه يضيع على الإنسان جهود كثيرة وكثيرة جداً، النِكاح هو بناء لأسرة حينما يتزوج المسلم فإنما يضع الأساس لإقامة أسرة مسلمة، وكلنا يعلم قول الرسول –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: (لا نكاح إلا بولي وشاهِدَيْ عدل) فأي نكاح لم يتحقق فيه الشهود العدول فلا يعتبر نكاحاً شرعياً، وهو بناء، فالطلاق الذي قلنا إنه أخطر من هذا النكاح فهو كالهدم بالنسبة للبناء، العقل والنظر السليم يؤيد أن يشترط فيه الإشهاد، ومعنى ذلك أن إنساناً ما قرر وعزم كما قال –عزّ وجلّ-: ) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (، عزم على الطلاق، ولكن هذا الطلاق وضع له الشارع الحكيم شروطاً وهذه الشروط هي في الواقع كالعرقلة لمنع وقوع هذا الطلاق، لأن الطلاق –كما قلنا- يترتب من وراءه هدم الأسرة، فقال أن السُّنّة الإشهاد، فكأن الشارع الحكيم يقول للمطلق: لو عزمت على الطلاق وأردت تنفيذه فأتي بشاهدين، كما إذا أردت أن تنكح فخذ [ .. ] الولي وأتي بشاهدين، وإلا فلا نكاح لك" انتهى.
إذن فإن الإشهاد على الطلاق فيه سد باب على المتلاعبين بحقوق زوجاتهم، وفيه سد لباب المخاصمة، وكتمان كل منهما ما يلزمه بيانه، كما سبق من كلام العلامة السعدي. وفيه الابتعاد عن الريبة وقطع للمنازعة، كما سبق من كلام الألوسي وغيره.
ورجح الشيخ عمرو سليم في كتابه (الجامع في أحكام الطلاق) (ص ١٦١) استحباب الإشهاد، وناقش من قال بوجوبه، ثم أبطل القول باشتراطه، وقال: القول ببطلان الطلاق والرجعة بترك الإشهاد باطل لا دليل عليه، وعلى تقدير أن الأمر في الآية يقتضي الوجوب، فمخالفته لا تبطل أثر الطلاق ولا المراجعة، والدليل على ذلك: أن الله سبحانه قد أمرنا في الطلاق باستقبال النساء في عدتهن في طهر لم يجامعها فيه زوجها، فلما خالف ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ هذا الأمر وطلق امرأته وهي حائض، أجازه النبي صلى الله عليه وسلم، كما تقدم تقريره، فهو قد خالف الأمر الوارد في آية الطلاق، ولم يمنع هذا من أن يحسب عليه طلقة، فكذلك هو الحال بالنسبة لمن خالف الأمر في الإشهاد. اهـ.
وهذا هو الصواب-والله أعلم-؛ فإنه على افتراض وجوب الإشهاد، فإن هذا لا يعني اشتراطه بحيث لا يقع الطلاق إلا به! قال أبو الوليد ابن رشد في (المقدمات الممهدات) (ص ٢/ ٢٨٠): فإذا قلنا: إنه واجب، فمعنى ذلك أنه يكون بتركه آثما لتضييع الفروج وما يتعلق بذلك، من غير أن يكون ذلك شرطا في صحة الطلاق والرجعة. اهـ.
وقال الطاهر بن عاشور في (التحرير والتنوير) (ص: ٢٨/ ٣٠٩) بعد أن تعرض للخلاف في الوجوب أو الاستحباب، قال: واتفق الجميع على أن هذا الإشهاد ليس شرطا في صحة المراجعة أو المفارقة؛ لأنه إنما شرع احتياطا لحقهما، وتجنبا لنوازل الخصومات؛ خوفا من أن يموت فتدعي أنها زوجة لم تطلق، أو أن تموت هي فيدعي هو ذلك، وكأنهم بنوه على أن الأمر لا يقتضي الفور، على أن جعل الشيء شرطا لغيره يحتاج إلى دليل خاص غير دليل الوجوب؛ لأنه قد يتحقق الإثم بتركه ولا يبطل بتركه ما أمر بإيقاعه معه، مثل الصلاة في الأرض المغصوبة، وبالثوب المغصوب. اهـ.

<<  <  ج: ص:  >  >>