د- إكثار الأزواج ألفاظ الطلاق الشفوية التي يندفعون إليها بسبب ضغوط الحياة بدون إرادة الطلاق الحقيقي، وقبول كثير منهم أدنى المبررات الفقهية التي تقضي بعدم احتساب لفظ الطلاق الشفوي طلاقاً شرعياً. فهل يعقل أن ينهدم هذا البنيان بكلمة في ساعة غضب أو حتى مزاح.
الجواب عنه: أنه استدلال ساقط، عارٍ عن البرهان، فإن الزوج الذى يطلّق إما أنه مالك للفظ الطلاق، قادر على منعه، كامل الأهلية عند النطق به، وإما أن يكون مغلوباً عليه بإكراه (١) أو غضب شديد أو ذهاب عقل، أو غير ذلك.
ولا ثالث لهاتين الحالتين، فإن كانت الأولى وقع طلاقه وتحمل تبيعات فعله كباقى التصرفات التى تصدر منه كالبيع والهبة والزواج، فالشّرع لا يدور مَعَ دَوَرانِ أهواء النّاس وأمزجتهم وشهواتهم، ولا يتنزّل على كل ما تركن إليهم نفوسهم. أما إن كانت الثانية فهذا لا يقع طلاقه فى أصح قولى العلماء.
هذا وينبغي أن يعلم أن العجلة في تسرُّع بعض الناس في الطلاق، واستعجال بعض الرجال في إطلاق لفظ الطلاق على امرأته من غير أناءة في الأمور، لمجرَّد خصام، أو َ نزاع، أو اختلافٍ فى وجهة نظر، أوعدم قيام المرأة بشيء من الواجبات، أو تقصيرها في بعض الأمور، يؤدِّي ببعض الحمقى إلى أن يتسرَّع فيطلِّق المرأة لأتفه الأسباب وأحقرها، ولسبب لا يستحق شيئاً من ذلك، فيهدم بيته، ويفرِّق أسرته، ويشتِّت أولادَه، لماذا؟ لبعض الأمور التي يمكن تلافيها والصبر عليها، يقول النبي صلى الله عليه وسلم " إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ فَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا"(٢)، وقال:" لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ"(٣)، وقال:" ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ"(٤) " (٥)
هـ-أن الإسلام يعمل دوما على حفظ تماسك الأسرة واستمرارها وتماسكها إلى أقصى درجة ممكنة حتى تتحقق الغاية من الزواج الذى جعله الله آية من آياته.
وجوابه من وجهين:
الأول: لا يختلف مسلمان على أن هذا المقصد محمود، مرغب فيه، بل تحصيله واجب في الجملة، مجمع عليه من الأمة سلفاً وخلفا. لأن القرآن الكريم والسنة المطهرة كلاهما حث الزوج على إمساك الزوجة والصبر على أذاها وتحمل ذلك منها؛ والطلاق رغم كونه حلالاً إلا أنه بغيض إلى الله تعالى لما فيه من تشريد أسرةٍ وتشتيت شملٍ وتعريض لفتنةٍ، وما شرعه الله عز وجل إلا رحمة بعباده وتوسعة علهم حين تستعصي الحياة الزوجية ويستحيل دوامها على ما يحبه الله ويرضاه.
(١) طلاق المكره لا يقع في قول جماهير أهل العلم منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال به من الصحابة: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير رضي الله عن الجميع، وبه أفتى مجاهد وطاوس بن كيسان، وعطاء بن أبي رباح، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية وأهل الحديث رحمةُ الله عليهم: أن من أكره وتحققت فيه شروط الإكراه أنه لا يحكم بطلاقه، ولا يحتسب بتلك الطلقة، واستدلوا بدليل الكتاب والسنة والعقل؛ أما دليلهم من الكتاب: فإنه سبحانه وتعالى قال: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى أسقط عن المكره الردة بالقول، وهي لفظٌ من الألفاظ، وأعظم ما يتلفظ به الردة، قال الإمام ابن العربي وغيره من أئمة التفسير: إن هذه الآية الكريمة أصلٌ في إسقاط مؤاخذة المكره في كل ما يقول ويفعل، فإذا كانت الردة لا تقع وقلبه مطمئنٌ بالإيمان، فمن باب أولى غيرها من الألفاظ، وعلى هذا فالآية الكريمة واضحة الدلالة على أن المكره لا يؤاخذ بقوله، وجاءت السنة تؤكد ما دل عليه القرآن، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند ابن ماجة والحاكم وصححه غير واحدٍ من العلماء: (إن الله وضع لأمتي)، وفي روايةٍ: (رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وفي هذا دليل على أن الله وضع ورفع عن المكره المؤاخذة، فدل على أنه إذا طلق لا ينفذ طلاقه، وأكدوا هذا بما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا طلاق في إغلاق)، رواه الإمام أحمد وأبو داود بسندٍ حسن. (٢) صحيح مسلم: (١٤٦٨). من حديث ابي هريرة. (٣) صحيح مسلم (١٤٦٩). (٤) صحيح مسلم (١١٨٤) من حديث أبي هريرة. (٥) من خطبة للشيخ عبد العزيز آل الشيخ سنة ١٤٢٣ هـ