للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال له مثل ذلك، فقال: هاتها! مغضبًا، فأخذها فحذفه بها حذفة لو أصابه شجَّه أو عقَره، ثم قال: " يجيء أحدكم بماله كله يتصدق به، ويجلس يتكفف الناس! ! إنما الصدقة عن ظهر غِنًى" (١).

قال الطبري: " فإذا كان الذي أذن صلى الله عليه وسلم لأمته، الصدقةَ من أموالهم بالفضل عن حاجة المتصدق، فالفضل من ذلك هو " العفو " من مال الرجل، إذْ كان " العفو "، في كلام العرب، في المال وفي كل شيء: هو الزيادة والكثرة - ومن ذلك قوله جل ثناؤه: " حتى عَفَوْا " بمعنى: زادوا على ما كانوا عليه من العدد وكثروا، ومنه قول الشاعر (٢):

وَلكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ منا ... بِأَسْوُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ

يعني به: كثيرات الشحوم. ومن ذلك قيل للرجل: " خذ ما عفا لك من فلان يراد به ما فضل فصفا لك عن جُهده بما لم يَجْهده كان بيِّنًا أنّ الذي أذن الله به في قوله: " قل العفو " لعباده من النفقة، فأذنهم بإنفاقه إذا أرادوا إنفاقه، هو الذي بيّن لأمته رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقوله: " خير الصدقة ما أنفقت عن غنى "، وأذِنهم به" (٣).

ثم اختلف أهل العلم في هذه الآية: هل هي منسوخة أم ثابتة الحكم على العباد، وفي ذلك ثلاثة أقوال:

أحدها: أنها منسوخة، نسختها الزكاة المفروضة، والصحابة كانوا يكتسبون المال ويمسكون قدر الحاجة ويتصدقون بالفضل بحكم هذه الآية، ثم نسخ ذلك بآية الزكاة وهي قوله-عز وجل-: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: ١٠٣]. قاله ابن عباس (٤)، وعطاء الخراساني (٥)، والسدي (٦).

والثاني: أنها مُثْبَتة الحكم غير منسوخة، وأن المراد بالعفو الصدقة الواجبة. قاله مجاهد (٧).

والثالث: أنها محكمة مخصوصة بالتطوع. نسبه النحاس إلى أكثر المفسرين (٨).


(١) رواه أبو داود: ١٦٧٣، عن موسى بن إسمعيل، عن حماد - وهو ابن سلمة - عن ابن إسحاق، بهذا الإسناد. ورواه الحاكم في المستدرك ١: ٤١٣، من طريق موسى بن إسمعيل، به وقال: " هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه ". ووافقه الذهبي. وذكره السيوطي ١: ٢٥٣ - ٢٥٤، وزاد نسبته لابن سعد، وهو في طبقات ابن سعد ٤/ ٢/١٩، من وجه آخر، من رواية " عمر بن الحكم بن ثوبان "، عن جابر. حذفه بالشيء رماه به. تكفف الناس: تعرض لمعروفهم باسطا يده، ليتلقى منهم ما يتصدقون به عليه. وقوله: " عن ظهر غني " أي عن غنى يستقيم به أمره ويقوى.
والحديث وأخرجه الطبري بسنده: عمرو بن علي قال، حدثنا يزيد بن هرون قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن جابر بن عبد الله.
(٢) البيت للبيد بن ربيعة. انظر: ديوانه قصيدة ٢: ١٩، وهذا البيت من أبيات يفخر فيها بإكرامهم الضيف، ولا سيما في الشتاء، يقول إذا جاء الشتاء ببرده وقحطه:
فَلا نَتَجَاوَزُ العَطِلاتِ مِنْها ... إلى البَكْرِ المُقَارِبِ والكَزُوم
ولكنّا نُعِضّ السَّيْف. . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والضمير في " منها " للإبل. يقول: لا نتجاوز عند الذبح فندع النوق الطوال الأعناق السمينات، إلى بكر دنيء أو بكر هرم، ولكننا نعض السيف، أي نضرب بالسيف حتى يعض في اللحم - بعراقيب السمينات العظام الأسنمة، وهي الكوم، جمع كوماء.
(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٣٤٢ - ٣٤٣.
(٤) تفسير الطبري (٤١٧٤)، و (٤١٧٥): ص ٤/ ٣٤٤.
(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٧٤): ص ٢/ ٣٩٤، وتفسير ابن كثير: ١/ ٥٨٠.
(٦) انظر: تفسير الطبري (٤١٧٦): ص ٤/ ٣٤٤، وتفسير ابن كثير: ١/ ٥٨٠.
(٧) تفسير الطبري (٤١٧٧): ص ٤/ ٣٤٤.
(٨) انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس: ١/ ٦٣١ - ٦٣٥، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي: ١٦٨ - ١٦٩، نواسخ القرآن لابن الجوزي: ٨٣ - ٨٤، الناسخ والمنسوخ لهبة بن سلامة: ٥١ - ٥٢، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٣/ ٦١ - ٦٢، النسخ في القرآن لمصطفى زيد: ٢/ ٦٦٥ - ٦٧٠ الفقرات رقم: ٩٣٥ - ٩٤٤، وغيرها.

<<  <  ج: ص:  >  >>