قال ابن عثيمين: "يعني بـ {أهله} النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الذين هاجروا من مكة إلى المدينة بسبب إيذاء المشركين لهم، وتضييقهم عليهم حتى خرجوا بإذن الله عزّ وجلّ من مكة إلى المدينة" (١).
قوله تعالى: {أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ} [البقرة: ٢١٧]، أي أعظم إثماً، وجرماً من القتال في الشهر الحرام (٢).
قال الواحدي: أي: " أعظم وزرًا وعقوبة" (٣).
قال الشوكاني: " أي أعظم إثما وأشد ذنبا من القتال في الشهر الحرام كذا قال المبرد وغيره" (٤).
قال الصابوني: " أعظم وزراً وذنبا عند الله، من قتل من قتلتم من المشركين، فإذا استعظموا قتالكم لهم في الشهر الحرام، فليعلموا أن ما ارتكبوه في حق النبى والمؤمنين أعظم وأشنع" (٥).
قال القاسمي: " جرماً مما فعلته السرية: من قتلهم إياهم في الشهر الحرام، لأن الإخراج فتنة " (٦).
قوله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: ٢١٧]، " أي: فتنة المسلم عن دينه، ليردوه إلى الكفر بعد إيمانه، أكبر عند الله من القتل" (٧).
قال ابن عطية: أي: " والفتنة التي كنتم تفتنون المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا أشد اجتراما من قتلكم في الشهر الحرام" (٨).
قال الزجاج: المعنى: " وهذه الأشياء كفر، والكفر أكبر من
القتل" (٩).
قال القاسمي: " أي: فقد فعلوا بكم في المسجد الحرام ما هو أكبر من القتل فيه، وحرمة المسجد كحرمة الشهر. .! " (١٠).
قال الشوكاني: " والمراد بالفتنة هنا الكفر أي كفركم أكبر من القتل الواقع من السرية التي بعثها النبي- صلى الله عليه وسلم-، وقيل المراد بالفتنة الاخراج لأهل الحرم منه وقيل المراد بالفتنة هنا فتنتهم عن دينهم حتى يهلكوا أي فتنة المستضعفين من المؤمنين أو نفس الفتنة التي الكفار عليها وهذا ارجح من الوجهين الأولين لأن الكفر والإخراج قد سبق ذكرهما وانهما مع الصد أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام" (١١).
وقد تعددت أقوال أهل العلم في تفسير {الفتنة} [البقرة: ٢١٧ [، وفيه وجوه:
أحدها: أن الفتنة في الآية: الكفر أو الشرك. وهذا قول ابن عمر (١٢)، وابن عباس (١٣) ومجاهد (١٤)، وأبي مالك (١٥)، وقتادة (١٦)، والشعبي (١٧)، وابن الزبير (١٨)، ومقسم مولى ابن عباس (١٩)، وغيرهم (٢٠)، وبه قال جمع من أهل التفسير (٢١).
(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٥٢.
(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٥٢.
(٣) التفسير البسيط: ٤/ ١٤١.
(٤) فتح القدير: ١/ ٢١٨ - ٢١٩
(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٣.
(٦) محاسن التأويل: ٢/ ٩٠.
(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨٣.
(٨) المحرر الوجيز: ١/ ٢٩٠.
(٩) معاني القرآن: ١/ ٢٩٠.
(١٠) محاسن التأويل: ٢/ ٩٠.
(١١) فتح القدير: ١/ ٢١٩.
(١٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٣٥): ص ٢/ ٣٨٧.
(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٠٨٧): ص ٤/ ٣٠٨ - ٣٠٩.
(١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٠٨٥): ص ٤/ ٣٠٧.
(١٥) انظر: تفسير الطبري (٤٠٨٨): ص ٤/ ٣٠٩.
(١٦) انظر: تفسير الطبري (٤٠٩٥): ص ٤/ ٣١١.
(١٧) انظر: تفسير الطبري (٤٠٩٤): ص ٤/ ٣١١.
(١٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٣٤): ص ٢/ ٣٨٦.
(١٩) انظر: تفسير الطبري (٤٠٨٦): ص ٤/ ٣٠٨.
(٢٠) انظر: البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ١٤٩، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٣٨، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ١٦٢، معاني القرآن للنحاس: ١/ ١٧٠، وغيرها.
(٢١) وقد ذهب إلى ذلك أيضاً: الفراء في معاني القرآن: ١/ ١٤١، والزجاج في معاني القرآن وإعرابه: ١/ ٢٩٠، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: ٨٢، والطبري في جامع البيان: ٤/ ٣٠١، والسمرقندي في بحر العلوم: ١/ ٢٠١، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٤٤٠، وابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٢٣٨، والدامغاني في الوجوه والنظائر: ٣٤٧ - ٣٤٨، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ١٤٧، والواحدي في الوسيط: ١/ ٣٢١، والبغوي في معالم التنزيل: ١/ ٢٤٨، على اختلاف بينهم في التعبير بلفظ الكفر أو الشرك.