للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يعرف المؤمن إلا بالابتلاء والامتحان؛ فعليك يا أخي بالصبر؛ قد تؤذى على دينك؛ قد يستهزأ بك؛ وربما تلاحَظ؛ وربما تراقَب؛ ولكن اصبر، واصدق، وانظر إلى ما حصل من أولي العزم من الرسل؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم كان ساجداً لله في آمن بقعة على الأرض - وهو المسجد الحرام -؛ فيأتي طغاة البشر بفرث الناقة، ودمها، وسلاها، يضعونها عليه وهو ساجد؛ هذا أمر عظيم لا يصبر عليه إلا أولو العزم من الرسل؛ ويبقى ساجداً حتى تأتي ابنته فاطمة وهي جويرية - أي صغيرة - تزيله عن ظهره فيبقى القوم يضحكون، ويقهقهون (١)؛ فاصبر، واحتسب؛ واعلم أنه مهما كان الأمر من الإيذاء فإن غاية ذلك الموت؛ وإذا مت على الصبر لله عزّ وجلّ انتقلت من دار إلى خير منها.

٥ - ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان ألا يسأل النصر إلا من القادر عليه - وهو الله عزّ وجلّ -؛ لقوله تعالى: {متى نصر الله}.

٦ - ومنها: أن المؤمنين بالرسل منهاجهم منهاج الرسل يقولون ما قالوا؛ لقوله تعالى: {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله}؛ يتفقون على هذه الكلمة استعجالاً للنصر.

٧ - ومنها: تمام قدرة الله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: {ألا إن نصر الله قريب}.

٨ - ومنها: حكمة الله، حيث يمنع النصر لفترة معينة من الزمن - مع أنه قريب -.

٩ - ومنها: أن الصبر على البلاء في ذات الله عزّ وجلّ من أسباب دخول الجنة؛ لأن معنى الآية: اصبروا حتى تدخلوا الجنة.

١٠ - ومنها: تبشير المؤمنين بالنصر ليتقووا على الاستمرار في الجهاد ترقباً للنصر المبشرين به.

١١ - ومنها: الإشارة إلى ما جاء في الحديث الصحيح: «حفت الجنة بالمكاره» (٢)؛ لأن هذه مكاره؛ ولكنها هي الطريق إلى الجنة.

١٢ - ومنها: أنه لا وصول إلى الكمال إلا بعد تجرع كأس الصبر؛ لقوله تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ... } إلخ.

القرآن

{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)} [البقرة: ٢١٥]

التفسير:

يسألك أصحابك -أيها النبي- أي شيء ينفقون من أصناف أموالهم تقربًا إلى الله تعالى، وعلى مَن ينفقون؟ قل لهم: أنفقوا أيَّ خير يتيسر لكم من أصناف المال الحلال الطيب، واجعلوا نفقتكم للوالدين، والأقربين من أهلكم وذوي أرحامكم، واليتامى، والفقراء، والمسافر المحتاج الذي بَعُدَ عن أهله وماله. وما تفعلوا من خير فإن الله تعالى به عليم.

وفي سبب نزول الآية أقوال:

أحدها: قال ابن عباس في رواية أبي صالح: "نزلت في عمرو بن الجموح الأنصاري وكان شيخا كبيرا ذا مال كثير، فقال: يا رسول الله بماذا نتصدق؟ وعلى من ننفق؟ فنزلت هذه الآية" (٣). وذكره مقاتل (٤)، والثعلبي (٥)، وابن عسكر في ذيل الأعلام، ونسبه إلى ابن فطيس (٦) (٧).


(١) أخرجه البخاري ص ٢٢، كتاب الوضوء، باب ٦٩: إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته، حديث رقم ٢٤٠، وأخرجه مسلم ص ٩٩٧، كتاب الجهاد والسير، باب ٣٩: ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين، حديث رقم ٤٦٤٩ [١٠٧] ١٧٩٤.
(٢) أخرجه مسلم ص ١١٦٩، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب ١: صفة الجنة، حديث رقم ٧١٣٠ [١] ٢٨٢٢.
(٣) أسباب النزول: ٦٨، ورواية أبي صالح ضعيفة، وانظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣٩.
(٤) انظرـ تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٠٧، والعجاب: ١/ ٥٣٣ - ٥٣٤.
(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٣٦.
(٦) ابن فطيس هو الإمام العلامة الوزير القاضي أبو المطرف: عبد الرحمن بن محمد بن عيسى بن فطيس القرطبي المالكي ولد سنة "٣٤٧" وتوفي سنة "٤٠٢" ومن مؤلفاته: "القصص" ثلاث مجلدات، و"أسباب النزول" في مائة جزء، وغير ذلك انظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء" "١٧/ ٢١٠ - ٢١٢" و"تذكرة الحافظ" "٣/ ١٠٦٠" للذهبي و"طبقات المفسرين" للداودي "١/ ٣٨٥ - ٣٨٧" وغيرهما مما هو في هامش السير، وقد تصحف فطيس في "مفحمات الأقران" "ص ١٠٧" إلى نطيس!
(٧) نقله عنه السيوطي في كتابه "مفحمات الأقران في مبهمات القرآن" "ص ٢٠".

<<  <  ج: ص:  >  >>