قال البيضاوي: أي: " فقيل لهم ذلك اسعافاً لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر، وفيه إشارة إلى أن الوصول إلى الله تعالى والفوز بالكرامة عنده برفض الهوى واللذات، ومكابدة الشدائد والرياضات" (١).
قال أبو السعود: " أي فقيل لهم حينئذٍ ذلك إسعافاً لمرامهم بالقرب، وفي إيثار الجملة الاسميةِ على الفعلية المناسبة لما قبلها وتصديرها بحرف التنبيه والتأكيد من الدلالة على تحقيق مضمونها" (٢).
وقوله تعالى: {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: ٢١٤]، يحتمل وجهان من التفسير (٣):
أحدهما: أن في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله فيقول الرسول: {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}، فقدم الرسول في الرتبة لمكانته ثم قدم قول المؤمنين لأنه المتقدم في الزمان.
قال ابن عطية: "وهذا تحكم، وحمل الكلام على وجهه غير متعذر" (٤).
والثاني: أن يكون {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} إخبارا من الله تعالى مؤتنفا بعد تمام ذكر القول، فيكون جملة استئنافية يخبر الله بها خبراً مؤكداً بمؤكدين: {ألا}؛ و {إن}.
قال الشيخ ابن عثيمين: "وكلاهما صحيح" (٥).
قال ابن عاشور: قوله {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} كلام مستأنف بقرينة افتتاحه بـ {أَلا}، وهو بشارة من الله تعالى للمسلمين بقرب النصر بعد أن حصل لهم من قوارع صدر الآية ما ملأ القلوب رُعباً، والقصد منه إكرام هذه الأمة بأنها لا يبلغ ما يمسها مبلغ ما مس من قبلها، وإكرامٌ للرسول -صلى الله عليه وسلم - بألا يحتاج إلى قول ما قالته الرسل قبله من استبطاء نصر الله بأن يجيء نصر الله لهاته الأمة قبل استبطائه، وهذا يشير إلى فتح مكة" (٦).
وفي حديث أبي رَزين: "عَجب ربّك من قُنُوط عباده، وقُرْب غيثه فينظر إليهم قَنطين، فيظل يضحك، يعلم أنّ فرجهم قريب" الحديث (٧).
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: عناية الله عزّ وجلّ بهذه الأمة، حيث يسليها بما وقع بغيرها؛ لقوله تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ... } إلخ؛ وهكذا كما جاء في القرآن جاء في السنة؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم لما جاءه أصحابه يشكون إليه بمكة فأخبرهم: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه، وعظمه؛ ما يصده ذلك عن دينه» (٨) تثبيتاً للمؤمنين.
٢ - ومن فوائد الآية: إثبات الجنة.
٣ - ومنها: أن الإيمان ليس بالتمني، ولا بالتحلي؛ بل لا بد من نية صالحة، وصبر على ما يناله المؤمن من أذًى في الله عزّ وجلّ.
٤ - ومنها: حكمة الله عزّ وجلّ، حيث يبتلي المؤمنين بمثل هذه المصائب العظيمة امتحاناً حتى يتبين الصادق من غيره، كما قال تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} [محمد: ٣١]؛ فلا يُعرف زيف الذهب إلا إذا أذبناه بالنار؛ ولا يُعرف طيب العود إلا إذا أحرقناه بالنار؛ أيضاً لا
(١) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٦.
(٢) تفسير أبي السعود: ١/ ٢١٥.
(٣) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٨، وتفسير القرطبي: ٣/ ٣٥ - ٣٦.
(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٨
(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٥.
(٦) التحرير والتنوير: ٢/ ٣١٦.
(٧) رواه ابن ماجة في السنن برقم (١٨١) من طريق يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عدس، عن أبي رزين به، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٨٥): "هذا إسناد فيه مقال".
(٨) أخرجه البخاري ص ٥٧٩، كتاب الإكراه، باب ١: من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر، حديث رقم ٦٩٤٣.