للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الله عليه وسلم- صادق، ويقول: لقد علموا أن ابننا لا مكذب لدينا ولا يُعنى بقول الأباطل لكنه لم يَقبل، ولم يُذعن، فلم يكن مؤمنا" (١).

قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: ٢١٣]، أي: والله "يهدي من يشاء هدايته إلى طريق الحق، الموصل إلى جنات النعيم" (٢).

قال البيضاوي: أي إلى صراط: " لا يضل سالكه" (٣).

قال الطبري: " والله يسدّد من يشاء من خلقه ويُرشده إلى الطريق القويم على الحق الذي لا اعوجاج فيه" (٤).

قال السعدي: " فعمَّ الخلق تعالى بالدعوة إلى الصراط المستقيم، عدلا منه تعالى، وإقامة حجة على الخلق، لئلا يقولوا: {ما جاءنا من بشير ولا نذير} وهدى - بفضله ورحمته، وإعانته ولطفه - من شاء من عباده، فهذا فضله وإحسانه، وذاك عدله وحكمته" (٥).

والهداية هنا بمعنى الدلالة، والتوفيق؛ فهي شاملة للنوعين (٦).

وقوله تعالى: {مَنْ يَشَاءُ} يعني" ممن يستحق الهداية؛ لأن كل شيء علق بمشيئة الله فإنه تابع لحكمته؛ فهو سبحانه وتعالى يهدي من يشاء إذا كان أهلاً للهداية؛ كما أنه سبحانه وتعالى يجعل الرسالة في أهلها فإنه يجعل الهداية في أهلها، كما قال تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: ١٢٤]، كذلك هو أعلم حيث يجعل هدايته" (٧).

قال القرطبي: " وفي قوله: {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} رد على المعتزلة في قولهم: إن العبد يستبد بهداية نفسه" (٨).

قال ابن كثير: " أي: وله الحكم والحجة البالغة" (٩).

والـ {صراط} في اللغة: "هو الطريق الواسع؛ وسمي صراطاً - وقد يقال -: (زراطاً) بالزاي؛ لأنه يبتلع سالكه بسرعة دون ازدحام، ولا مشقة، كما أنك إذا بلعت اللقمة بسرعة يقال: «زرطها»؛ وقال بعضهم: هو الطريق الواسع المستقيم؛ لأن المعوج لا يحصل فيه العبور بسهولة؛ وجعل قوله تعالى: {مستقيم} صفة مؤكدة؛ وعلى كل حال {الصراط المستقيم} الذي ذكره عزّ وجلّ بينه سبحانه وتعالى في سورة الفاتحة في قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)} [الفاتحة: ٦ - ٧]؛ فهو الصراط الذي يجمع بين العلم، والعمل؛ وإن شئت فقل: بين الهدى، والرشد؛ بخلاف الطريق غير المستقيم الذي يحرم فيه السالك الهدى، كطريق النصارى؛ أو يحرم فيه الرشد، كطريق اليهود" (١٠).

وفي قوله تعالى: {صِرَاطٍ} [البقرة: ٢١٣]، قراءتان (١١):

إحداهما: {صِرَاطٍ}، بالصاد. قراءة الجمهور.

والثانية: {سِرَاطٍ}، بالسين. وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو في رواية عبيد بن عقيل.


(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٠.
(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٣٧٨.
(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٥.
(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٢٨٦.
(٥) تفسير السعدي: ٩٥.
(٦) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٠.
(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣١.
(٨) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٣.
(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٧١.
(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣١.
(١١) انظر: السبعة: ١٠٥ - ١٠٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>