ويحتمل قوله تعالى: {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: ٢٠٥]، وجوها من التفسير (١):
أحدها: معناه لا يحب أهل الفساد. قاله الماوردي (٢).
والثاني: لا يمدح الفساد، ولا يثني عليه.
والثالث: أنه لا يحب كونه ديناً وشرعاً.
والرابع: لا يحب العمل بالفساد، ولا يرضى به. وهذا قول ابن عباس (٣).
والخامس: لا يأمر به. قاله القرطبي (٤).
والسادس: لا يحبه من أهل الصلاح.
والسابع: أن قطع الورق (٥)، والذهب، من الفساد في الأرض. قاله سعيد بن المسيب (٦).
والثامن: أنه شق الثياب، لا على وجه المصلحة (٧).
قلت: وعموم تلك الأقوال تدخل ضمن المعنى المراد من الآية، والآية بعمومها تعم كل فساد كان في أرض أو مال أو دين، وهو الصحيح (٨). والله أعلم.
قال المراغي: " وفي الآية إيماء إلى أن تلك الصفات المحمودة في الظاهر لا تكون مرضية عند الله إلا إذا أصلح صاحبها عمله، لأن الله لا ينظر إلى الصور والأقوال، وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال" (٩).
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: أن المعاصي سبب لهلاك الحرث، والنسل؛ لقوله تعالى: {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل} [البقرة: ٢٠٥]؛ وهذا كقوله تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} [الأعراف: ٩٦].
٢ - ومنها: إثبات محبة الله عزّ وجلّ للصلاح؛ لقوله تعالى {والله لا يحب الفساد}؛ فإن قيل: هذا نفي، وليس بإثبات؛ قلنا: إن نفيه محبة الفساد دليل على ثبوت أصل المحبة؛ ولو كان لا يحب أبداً لم يكن هناك فرق بين الفساد، والصلاح؛ فلما نفى المحبة عن الفساد علم أنه يحب الصلاح.
٣ - ومنها: التحذير من الفساد في الأرض؛ لقوله تعالى: {والله لا يحب الفساد}؛ ومعلوم أن كل إنسان يجب أن يكون حذراً من التعرض لأمر لا يحبه الله.
٤ - ودلت الآية على الحرث وزراعة الأرض، وغرسها بالأشجار حملا على الزرع، وطلب النسل، وهو. نماء الحيوان، وبذلك يتم قوام الإنسان. وهو يرد على من قال بترك الأسباب (١٠).
القرآن
{وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦)} [البقرة: ٢٠٦]
التفسير:
(١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٦، وتفسير القرطبي: ٣/ ١٨.
(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٦.
(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٣٥): ص ٢/ ٣٦٧ - ٣٦٨.
(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ١٨.
(٥) أي الدرهم. انظر: التفسير البسيط: ٤/ ٧٩.
(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٣٦): ص ٢/ ٣٦٨.
(٧) انظر: التفسير البسيط: ٤/ ٧٩، والبحر المحيط: ٢/ ١١٧.
(٨) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ١٨.
(٩) تفسير المراغي: ٢/ ١١١.
(١٠) تفسير القرطبي: ٣/ ١٨.