للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

احدهما: أي عمل فيها.

والثاني: وقيل: سار ومشى.

والأول أظهر، لأن (السعي) في كلام العرب العمل، يقال منه: فلان يسعى على أهله، يعني: يعمل فيما يعود عليهم نفعه، ومنه قول الأعشى (١):

وَسَعَى لِكِنْدَةَ سَعْيَ غَيْرِ مُوَاكِلٍ ... قَيْسٌ فَضَرَّ عَدُوَّها وَبَنَى لَهَا

يعني بذلك: عمل لهم في المكارم (٢).

قال الراغب: " (السعي): مشي سريع، ومنه قيل: السعي بين الصفا والمروة، فجعل مستعاراً للتصرف، ولأجله قيل لجابي الصدقة ساع، وقيل للوقيعة في الغير سعاية، وذلك كاستعارة المشي لهما في قوله {هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} " (٣).

واختلف أهل التأويل في معنى (الإفساد) الذي أضافه الله عز وجل إلى هذا المنافق، وفيه قولان (٤):

أحدهما: أن الإفساد يكون من قطعه الطريق وإخافته السبيل، كما فعل الأخنس بن شريق.

والثاني: أن معناه: قطع الرحم وسفك دماء المسلمين. وهذا قول ابن جريج (٥).

قال الطبري: " والأشبه بظاهر التنزيل أن يكون كان يقطع الطريقَ ويُخيف السبيل، لأن الله تعالى ذكره وصَفه في سياق الآية بأنه {سَعى في الأرض ليفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل}، وذلك بفعل مخيف السبيل، أشبهُ منه بفعل قَطَّاع الرحم" (٦).

والصواب أنه يدخل في الإفساد جميع المعاصي، ولم يخصص الله وصفه ببعض معاني الإفساد دون بعض. والله أعلم.

قوله تعالى: {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} [البقرة: ٢٠٥]، " أي: يهلك الزرع وما تناسل من الإِنسان، والحيوان" (٧).

قال السعدي: " فالزروع والثمار والمواشي، تتلف وتنقص، وتقل بركتها، بسبب العمل في المعاصي" (٨).

قال ابن عثيمين: " يعني: يكون سعيه سبباً لفساد الحرث، والحيوانات؛ لأن المعاصي سبب لذلك؛ فالزروع والثمار والمواشي، تتلف وتنقص، وتقل بركتها، بسبب العمل في المعاصي، لقوله تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} [الروم: ٤١]، ولقوله تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} [الأعراف: ٩٦] " (٩).

قال الصابوني: " معناه: أن فساده عام يشمل الحاضر والباد، فالحرث محل نماء الزروع والثمار، والنسل وهو نتاج الحيوانات التي لا قوام للناس إلا بهما، فإفسادهما تدمير للإنسانية" (١٠).

وفي معنى (الحرث) في قوله تعالى: {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} [البقرة: ٢٠٥]، قولان:

أحدهما: أن الحرث النساء والنسل الأولاد.


(١) ديوانه: ٢٥، وقيس هو قيس بن معد يكرب الكندي، كان يكثر مدحه والثناء عليه.
(٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٢٣.
(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٢٨٠ - ٤٢٩.
(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٢٣٨ وما بعدها.
(٥) انظر: تفسير الطبري (٣٩٨٣): ص ٤/ ٢٣٩.
(٦) تفسير الطبري: ٤/ ٢٣٩.
(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١١٩.
(٨) تفسير السعدي: ٩٣.
(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٤٥ - ٤٤٦.
(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ١١٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>