وذكر ابن عثيمين في قوله تعالى: {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} [البقرة: ٢٠٤]؛ وجهين (١):
الأول: أن المعنى استمراره في النفاق؛ لأن الله - تبارك وتعالى - يعلم ما في قلبه من هذا النفاق؛ فاستمراره عليه إشهاد لله تعالى على ما في قلبه.
والقول الثاني: أن المعنى: أن يُقسم، ويحلف بالله أنه مؤمن مصدق، وأن الذي في قلبه هو هذا؛ فيشهد الله على ما في قلبه من محبة الإيمان، والتمسك به وهو كاذب في ذلك؛ ويدل لذلك قوله تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} [المنافقون: ١]، أي لكاذبون في دعواهم أنهم يشهدون بذلك.
قال الشيخ ابن عثيمين: "وعندي أن المعنيين لا يتنافيان؛ كلاهما حق؛ فهو منطوٍ على الكفر والنفاق؛ وهو أيضاً يُعلم الناس، ويُشهد الله على أنه مؤمن؛ أما حقيقته قال الله تعالى فيه: {وهو ألد الخصام} يعني: أعوجهم، وأكذبهم؛ و {الخصام} يحتمل أن يكون مصدراً؛ ويحتمل أن يكون جمعاً؛ إن كان مصدراً ففعله: خاصم يخاصم، مثل: جادل يجادل؛ وقاتل يقاتل؛ وعلى هذا: {ألد الخصام} تكون الإضافة لفظية؛ لأنها صفة مشبهة مضافة إلى موصوفها - أي وخصامه ألد الخصام؛ وإن كان جمعاً فمفرده: خَصِم؛ فيكون المعنى أنه ألد الخصوم - أي أعوجهم، وأشدهم كذباً؛ ويكون أيضاً من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ لأنَّ المعنى؛ وهو من الخصوم الأشداء الأقوياء في خصومتهم؛ وهذا الرجل صار ألد الخصام؛ لأن قوله جيد، وبيِّن يعجبك قوله، فتجده لاعتماده على فصاحته، وبيانه ألد الخصام" (٢).
وقوله تعالى: {وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} [البقرة: ٢٠٤]، فيه قراءتين (٣):
إحداهما: {ويَشْهَدُ اللهُ}، بفتح الياء، وضم الجلالة {عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ}. قرأ بها ابن محيصن.
والمعنى: "والله يشهد على الذي في قلبه من النفاق، وأنه مضمرٌ في قلبه غير الذي يُبديه بلسانه وعلى كذبه في قلبه" (٤).
والثانية: {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ}، بضم (الياء)، ونصب الجلالة، وهي قراءة الجمهور.
والمعنى: أنه "يستشهدُ الله على ما في قلبه، أن قوله موافقٌ اعتقادَه، وأنه مؤمن بالله ورسوله وهو كاذب" (٥).
والراجح من القراءة: {ويشهد الله على ما في قلبه}، بمعنى "يستشهد الله على ما في قلبه، لإجماع الحجة من القرأةِ عليه" (٦). والله أعلم.
وقوله تعالى: {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} [البقرة: ٢٠٤]، أي: وهو "شديد الخصومة" (٧).
قال الطبراني: أي: " جَدِلٌ بالباطل" (٨).
قال الصابوني: " أي شديد الصخومة يجادل بالباطل ويتظاهر بالدين والصلاح بكلامه المعسول" (٩).
(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٤٣.
(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٤٣.
(٣) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٥٦٣.
(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٢٣٤.
(٥) تفسير الطبري: ٤/ ٢٣٣.
(٦) تفسيرالطبري: ٤/ ٣٣٥.
(٧) تفسير البغوي: ١/ ٢٣٥.
(٨) تفسير الطبراني: ١/ ١٤٥.
(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١١٩.