للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

القرآن

{وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)} [البقرة: ٢٠١]

التفسير:

ومن الناس فريق مؤمن يقول في دعائه: ربنا آتنا في الدنيا عافية ورزقًا وعلمًا نافعًا، وعملا صالحًا، وغير ذلك من أمور الدين والدنيا، وفي الآخرة الجنة، واصرف عنَّا عذاب النار. وهذا الدعاء من أجمع الأدعية، ولهذا كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في الصحيحين.

قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} [البقرة: ٢٠١]، " أي: ومنهم من يطلب خيري الدنيا والآخرة وهو المؤمن العاقل" (١).

قال ابن عثيمين: " يعني من الناس من تكون همته عليا يريد الخير في الدنيا، والآخرة" (٢).

وفي تفسير قوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الأَخِرَةِ حَسَنَةً} [البقرة: ٢٠١]، أربعة أقوال (٣):

أحدها: أنه الحسنة العافية في الدنيا والآخرة، وهو قول قتادة (٤).

والثاني: أنها نِعَمُ الدنيا ونِعَمُ الآخرة، وهو قول أكثر أهل العلم (٥).

والثالث: أن الحسنة في الدنيا العلمُ، والعبادة، وفي الآخرة الجنة، وهو قول الحسن (٦)، والثوري (٧).

والرابع: أن الحسنة في الدنيا المال، وفي الآخرة الجنة، وهو قول ابن زيد (٨)، والسدي (٩).

قال الآلوسي: "والظاهر أن الـ (حسنة) وإن كانت نكرة في الإثبات وهي لا تعم إلا أنها مطلقة فتنصرف إلى الكامل والحسنة الكاملة في الدنيا ما يشمل جميع حسناتها وهو توفيق الخير وبيانها بشيء مخصوص ليس من باب تعيين المراد إذ لا دلالة للمطلق على المقيد أصلا وإنما هو من باب التمثيل" (١٠).

قال ابن عثيمين: " وحسنة الدنيا كل ما يستحسنه الإنسان منها، مثل الصحة، وسعة الرزق، كثرة البنين، والزوجات، والقصور، والمراكب الفخمة، والأموال؛ وأما حسنة الآخرة فقيل: إنها الجنة؛ لقوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: ٢٦]؛ ولا شك أن الحسنة العظمى في الآخرة هي الجنة؛ لكن في الآخرة حسنات يستحسن المرء وقوعها غير الجنة، مثل أن يبيض وجهه، وأن تثقل موازينه، وأن يعطى كتابه بيمينه؛ فإنه إذا أعطي الكتاب بيمينه يقول: هاؤم اقرؤوا كتابيه فرحاً مسروراً" (١١).

قال الطبري: : والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر عن قوم من أهل الإيمان به وبرسوله، ممن حجَّ بَيته، يسألون ربهم، وأما في الآخرة، فلا شك أنها الجَّنة، لأن من لم يَنلها يومئذ فقد حُرم جميع الحسنات، وفارق جميع مَعاني العافية" (١٢).


(١) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.
(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٣٣.
(٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٣.
(٤) انظر: تفسير الطبري (٣٨٧٦): ص ٤/ ٢٠٣.
(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٣.
(٦) انظر: تفسير الطبري (٣٨٧٨)، و (٣٨٧٩)، و (٣٨٨٠): ص ٤/ ٢٠٤.
(٧) انظر: تفسير الطبري (٣٨٨١): ص ٤/ ٢٠٤.
(٨) انظر: تفسير الطبري (٣٨٨٢): ص ٤/ ٢٠٥.
(٩) انظر: تفسير الطبري (٣٨٨٣): ص ٤/ ٢٠٥.
(١٠) روح المعاني: ٢/ ٩١.
(١١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٣٤.
(١٢) تفسير الطبري: ٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>