للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال القرطبي: " يقول: "فاذكروا الله وأثنوا عليه بآلائه عندكم، كما تفعلون في ذكر آبائكم ومفاخرهم وأيامهم بعد قضاء مناسككم، بل أشد" (١).

وأبو عمرو كان يدغم الكاف في الكاف وكذلك {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [المدثر: ٤٢]، لأنهما مثلان (٢).

قال الشيخ ابن عثيمين: " قال كثير من النحويين: إن {أو} بمعنى: (بل)؛ أي بل أشد؛ وهو هنا متوجِّه؛ ويشبهها من بعض الوجوه قوله تعالى: {{وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: ١٤٧]؛ وقد ذكر ابن القيم في قوله تعالى: {أو يزيدون} أن {أو} هنا ليست بمعنى (بل)؛ ولكنها لتحقيق ما سبق - يعني: إن لم يزيدوا فلن ينقصوا -؛ وبناءً على هذا نقول مثله في هذه الآية: أي كذكركم آباءكم - إن لم يزد فلا ينقص -؛ إلا أنّه هنا إذا جعلناها بمعنى (بل) تكون أبلغ؛ لأن ذكر الله يجب أن يكون أشد من ذكر الآباء" (٣).

قال الراغب: " لفظ {أو} وإن كان للتخيير، فمقتضى الكلام على إيجاب أن يكون ذكره أشد، لأنه لما نبه علي موضع نعمتهما أعنى نعمة الأب ونعمة الله- عز وجل- وشكر المنعم بقدر عظمة نعمته، وقد علم فضل نعمته تعالى على فضل نعمة الأب، فصار ذلك منبها أن ذكر الله أوجب .. وإذا كان الأب يذكر لأنه سبب ما لوجودكم، فالباري- عز وجل- أولى بأن يذكر" (٤).

وفي قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللهَ} [البقرة: ٢٠٠]، تأويلان (٥):

أحدهما: أن هذا الذكر هو التكبير في أيام مِنى.

والثاني: أنه جميع ما سُنَّ من الأدعية في مواطن الحج كلها.

وفي قوله تعالى: {كَذِكْرِكُمْءَابآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} [البقرة: ٢٠٠]، أربعة أوجه من التفسير (٦):

أحدها: أنهم كانوا إذا فرغوا من حجهم في الجاهلية جلسوا في منى حَلَقاً وافتخروا بمناقب آبائهم، فأنزل الله تعالى ذكره: {فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْءَابآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً}، وهذا قول مجاهد (٧)، وقتادة (٨)، ووسعيد بن جبير (٩)، وعكرمة (١٠)، وأبو بكر بن عياش (١١).

والثاني: أن معناه، فاذكروا الله كذكركم الأبناء الصغار للآباء، إذا قالوا: أبَهْ أُمَّه، وهذا قول عطاء (١٢)، والضحاك (١٣)، والربيع (١٤)، وابن عباس (١٥).

والثالث: أنهم كانوا يدعون، فيقول الواحد منهم: اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة، عظيم القبّة، كثير المال، فاعطني مثل ما أعطيته، فلا يذكر غير أبيه، فأُمِرُوا بذكر الله، كذكرهم آباءهم، أو أشد ذكراً، وهو قول السدي (١٦).

والرابع: أن المعنى: "معنى الآية اذكروا الله وعظموه وذبوا عن حرمه، وادفعوا من أراد الشرك في دينه ومشاعره، كما تذكرون آباءكم بالخير إذا غض أحد منهم، وتحمون جوانبهم وتذبون عنهم" (١٧).

قال أبو الجوزاء لابن عباس: " إن الرجل اليوم لا يذكر أباه، فما معنى الآية؟ قال: ليس كذلك، ولكن أن تغضب لله تعالى إذا عصي أشد من غضبك لوالديك إذا شتما" (١٨).

والقول الأول أولى، وهو اختيار جمهور المفسرين، إذ "كانت عادة العرب إذا قضت حجها تقف عند الجمرة، فتفاخر بالآباء، وتذكر أيام أسلافها من بسالة وكرم، وغير ذلك، حتى أن الواحد منهم ليقول: اللهم إن أبي كان عظيم القبة، عظيم الجفنة، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيته فلا يذكر غير أبيه، فنزلت الآية ليلزموا أنفسهم ذكر الله أكثر من التزامهم ذكر آبائهم أيام الجاهلية هذا قول جمهور المفسرين" (١٩).

قوله تعالى: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا} [البقرة: ٢٠٠]، "أي: من الناس من تكون الدنيا همّه فيقول: اللهم اجعل عطائي ومنحتي في الدنيا خاصة " (٢٠).

قال الزمخشري: أي: " اجعل إعطاءنا في الدنيا خاصة" (٢١).

قال أبو بكر بن عياش: "كانوا يَعني أهلَ الجاهلية يقفون - يعني بعد قضاء مناسكهم - فيقولون: " اللهم ارزقنا إبلا! اللهم ارزقنا غنمًا! "، فأنزل الله هذه الآية: {فمن الناس من يقول ربّنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} " (٢٢).

قوله تعالى: {وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} [البقرة: ٢٠٠]، أي: " وما له في الآخرة من حظ ولا نصيب" (٢٣).

قال الطبراني: أي: "ولا ثوابٍ" (٢٤).

قال ابن عثيمن: "لأنه لا يريد إلا الدنيا؛ فلا نصيب له في الآخرة مما دعا به؛ وقد يكون له نصيب من أعمال أخرى" (٢٥).

قال الزمخشري: " ما لهذا الداعي في الآخرة من نصيب، لأنّ همه مقصور على الدنيا" (٢٦).

الفوائد:

١ - من فوائد الآية: أن الإنسان ينبغي له إذا قضى من العبادة أن لا يغفل بعدها عن ذكر الله؛ لقوله تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله}؛ وهذا كقوله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون} [الجمعة: ١٠].

٢ - ومنها: تقديم ذكر الله تعالى على ذكر الوالدين؛ لقوله تعالى: {أو أشد ذكراً}.

٣ - ومنها: أن الأجداد داخلون في مسمّى الآباء؛ لأن العرب كانوا يفتخرون بأمجاد آبائهم، وأجدادهم، وقبائلهم.


(١) تفسير القرطبي/ ٢/ ٤٣٠.
(٢) تفسير القرطبي: ٢/ ٤٣١.
(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٨٥.
(٤) تفسير الراغب: ١/ ٤٢٤.
(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٢.
(٦) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ١٩٥ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٢٦٢، وتفسير ابن كثير: ١/ ٥٥٧.
(٧) انظر: تفسير الطبري (٣٨٤٨): ص ٤/ ١٩٦، و (٣٨٥٢)، و (٣٨٥٣)، و (٣٨٥٤): ص ٤/ ١٩٧.
(٨) انظر: تفسير الطبري (٣٨٥٥)، و (٣٨٥٦): ص ٤/ ١٩٧ - ١٩٨.
(٩) انظر: تفسير الطبري (٣٨٥٧): ص ٤/ ١٩٨.
(١٠) انظر: تفسير الطبري (٣٨٥٧): ص ٤/ ١٩٨.
(١١) انظر: تفسير الطبري (٣٨٥٠): ص ٤/ ١٩٦١٩٧.
(١٢) انظر: تفسير الطبري (٣٨٥٩)، و (٣٨٦١): ص ٤/ ١٩٨.
(١٣) انظر: تفسير الطبري (٣٨٦٠): ص ٤/ ١٩٨.
(١٤) انظر: تفسير الطبري (٣٨٦٣): ص ٤/ ١٩٩.
(١٥) انظر: تفسير الطبري (٣٨٦٤): ص ٤/ ١٩٩.
(١٦) انظر: تفسير الطبري (٣٨٦٦): ص ٤/ ١٩٩.
(١٧) تفسير القرطبي: ٢/ ٤٣١.
(١٨) تفسير القرطبي: ٢/ ٤٣١ - ٤٣٢.
(١٩) تفسير القرطبي: ٢/ ٤٣١.
(٢٠) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.
(٢١) تفسير الكشاف: ١/ ٢٤٨.
(٢٢) تفسير الطبري (٣٨٦٩): ص ٤/ ٢٠١.
(٢٣) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.
(٢٤) تفسير الطبراني: ١/ ١٤٢.
(٢٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٣٣.
(٢٦) تفسير الكشاف: ١/ ٢٤٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>