للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

٤٠ - ومنها: أن شدة العقاب من كمال المعاقِب، وبسط قوته، وسلطانه؛ ولا يوصف الله سبحانه وتعالى إلا بالكمال؛ بل أمَرَنا أن نعلم ذلك في قوله تعالى: {اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم} [المائدة: ٩٨]؛ إذاً فإذا عاقبت ولدك بما يستحق، وكانت الجناية كبيرة، فأكبرت العقوبة فإنك تُحمَد، ولا تذم؛ ولهذا قال (ص): «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر» (١)؛ لأنه إذا بلغ عشراً صار تركه إياها، والإخلال بها أعظم.

تنبيه:

كثير من الناس كلما رأوا مخالفة من شخص في الإحرام قالوا: «عليك دم»؛ لو قال: حككت رأسي فسقطت منه شعرة بدون اختيار ولا قصد قالوا: «عليك دم»؛ وهذا غلط:

أولاً: لأنه خلاف ما أمر الله به؛ والله أوجب واحدة من ثلاث: صيام؛ أو صدقة؛ أو نسك؛ فإلزامهم بواحدة معينة فيها تضييق عليهم، وإلزام لهم بما لا يلزمهم.

ثانياً: أن الدم في أوقات النحر في أيام منى غالبه يضيع هدراً؛ لا ينتفع به.

ثالثاً: أن فيه إخفاءً لحكم الله عز وجل؛ لأن الناس إذا كانوا لا يفدون إلا بالدم، كأنه ليس فيه فدية إلا هذا؛ وليس فيه إطعام، أو صيام! فالواجب على طالب العلم أن يختار واحداً من أمرين:

* إما أن يرى الأسهل، ويفتي بالأسهل.

* وإما أن يقول: عليك هذا، أو هذا، أو هذا؛ واختر لنفسك.

أما أن يذكر الأشد فقط، ويسكت فهذا خلاف ما ينبغي للمفتين.

القرآن

{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)} [البقرة: ١٩٧]

التفسير:

وقت الحج أشهر معلومات، وهي: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. فمن أوجب الحج على نفسه فيهن بالإحرام، فيحرم عليه الجماع ومقدماته القولية والفعلية، ويحرم عليه الخروج عن طاعة الله تعالى بفعل المعاصي، والجدال في الحج الذي يؤدي إلى الغضب والكراهية. وما تفعلوا من خير يعلمه الله، فيجازي كلا على عمله. وخذوا لأنفسكم زادًا من الطعام والشراب لسفر الحج، وزادًا من صالح الأعمال للدار الآخرة، فإن خير الزاد تقوى الله، وخافوني يا أصحاب العقول السليمة.

في سبب نزول الآية قولان:

أحدهما: قال ابن عباس قال: "كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون يقولون: نحن المتوكلون فإذا قدموا مكة سألوا الناس فأنزل الله - عز وجل - {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} " (٢).

الثاني: قال الواحدي: " قال عطاء بن أبي رباح: كان الرجل يخرج فيحمل كله على غيره، فأنزل الله تعالى: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} " (٣).


(١) أخرجه أحمد ج ٢/ ١٨٧، حديث رقم ٦٧٥٦، وأخرجه أبو داود ص ١٢٥٩، كتاب الصلاة، باب ٢٦: متى يؤمر الغلام بالصلاة، حديث رقم ٤٩٥، وفيه سوار بن أبي حازم قال الحافظ في التغريب: صدوق له أوهام؛ وقال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح ١/ ١٤٥، وله شاهد من حديث سبرة بن معبد (الإرواء ١/ ٢٦٦).
(٢) أسباب النزول: ٦٢، وأخرجه البخاري (فتح الباري: ٣/ ٣٨٤ - ح: ١٥٢٣) وأبو داود (٢/ ٣٤٩ - ح: ١٧٣٠) والنسائي وابن أبي حاتم والحاكم في تاريخه (فتح الباري: ٣/ ٣٨٤) وعبد بن حميد وابن حبان (تفسير ابن كثير: ١/ ٢٣٩) وابن جرير (٢/ ١٦٢) كلهم عن عكرمة به ويشهد له: ما أخرجه الطبري (٣٧٣٠): ٤/ ١٥٦، وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم (فتح الباري: ٣/ ٣٨٤) عن عكرمة مرسلا نحوه. وسنده صحيح.
(٣) أسباب النزول: ٦٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>