قال الله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: ٤٤]؛ والتبيين يشمل تبيين اللفظ، وتبيين المعنى.
٢٠ - ومن فوائد الآية: أن هذه الفدية على التخيير؛ لأن هذا هو الأصل في معاني «أو».
٢١ - ومنها: التيسير على العباد؛ وذلك بوقوع الفدية على التخيير.
٢٢ - ومنها: أن محل الإطعام والنسك في مكان فعل المحظور؛ لأن الفورية تقتضي ذلك؛ أما الصيام فالظاهر ما قاله العلماء - رحمهم الله - من كونه يصح في كل مكان؛ لكن الفورية فيه أفضل.
٢٣ - ومنها: أن كفارات المعاصي فدًى للإنسان من العقوبة؛ لقوله تعالى: {ففدية من صيام أو صدقة ... }.
٢٤ - ومنها: أن محظورات الإحرام لا تفسده؛ لأن الله لم يوجب في حلق الرأس - مع أنه من محظورات الإحرام - إلا الفدية؛ ومقتضى ذلك أن النسك صحيح؛ وهذا مما يخالف الحجُّ، والعمرةُ فيه غيرَهما من العبادات؛ فإن المحظورات في العبادات تبطلها؛ وألحق العلماء بفدية حلق الرأس فدية جميع محظورات الإحرام ما عدا شيئين؛ وهما الجماع في الحج قبل التحلل الأول، وجزاء الصيد؛ فالجماع في الحج قبل التحلل الأول يجب فيه بدنة؛ وجزاء الصيد يجب فيه مثله؛ أو إطعام مساكين؛ أو عدل ذلك صياماً؛ وما عدا ذلك من المحظورات ففديتها كفدية حلق الرأس عند الفقهاء، أو كثير منهم.
٢٥ - ومن فوائد الآية: جواز التمتع بالعمرة إلى الحج؛ أي أن يأتي الإنسان بالعمرة في أشهر الحج، ويتحلل منها؛ ويبقى حلاً إلى أن يأتي وقت الحج؛ وكانوا في الجاهلية يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور؛ ويقولون: «إذا انسلخ صفر، وبرأ الدَّبَر، وعفا الأثر، حلت العمرة لمن اعتمر»؛ لكن الله سبحانه وتعالى يسَّر وبيَّن أنه يجوز للإنسان القادم في أشهر الحج أن يتحلل بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج.
٢٦ - ومنها: أنه إذا حل من عمرته حل الحل كله؛ لقوله تعالى: {فمن تمتع}؛ لأن إطلاق التمتع لا يكون إلا كذلك.
٢٧ - ومنها: أن من لم يحل من عمرته لا يسمى متمتعاً؛ لقوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج}؛ وعلى هذا فالقارن ليس بمتمتع؛ وهو كذلك عند الفقهاء أن القارن غير متمتع؛ لكن ذكر كثير من أهل العلم أن القارن يسمى متمتعاً في لسان الصحابة؛ وذلك؛ لأن بعض الصحابة عبر عن حج النبي صلى الله عليه وسلم بالتمتع، فقالوا: تمتع النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج (١)؛ ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحل من إحرامه؛ ولهذا قال الإمام أحمد: «لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارناً؛ والمتعة أحب إليّ»؛ ولهذا كان وجوب الهدي على المتمتع بالإجماع؛ ووجوب الهدي على القارن فيه خلاف؛ وجمهور أهل العلم على وجوب الهدي عليه؛ وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في العلة: هل هي حصول النسكين في سفر واحد؛ فيكون قد ترفه بسقوط أحد السفرين؛ أو العلة التمتع بالتحلل بين العمرة، والحج؛ فمن قال بالأول أوجب الهدي على القارن؛ ومن قال بالثاني لم يوجبه؛ لأنه لم يحصل للقارن تحلل بين النسكين.
٢٨ - ومن فوائد الآية: أنه لا يجب على الإنسان أن يقترض للهدي إذا لم يكن معه ما يشتري به الهدي - ولو كان غنياً - لقوله تعالى: {فما استيسر من الهدي}.
٢٩ - ومنها: تيسير الله على العباد؛ لقوله تعالى: {فما استيسر من الهدي}؛ والدين كله من أوله إلى آخره مبني على اليسر.
٣٠ - ومنها: بلاغة القرآن؛ لقوله تعالى: {فمن لم يجد}؛ فحُذف المفعول للعموم ليشمل من لم يجد الهدي، أو ثمنه؛ فاستفيد زيادة المعنى مع اختصار اللفظ.
(١) أخرجه البخاري ص ١٣٣، كتاب الحج، باب ١٠٤: من ساق البدن معه، حديث رقم ١٦٩٢؛ وأخرجه مسلم ص ٨٨٣، كتاب الحج، باب ٢٤، وجوب الدم على المتمتع ... ، حديث رقم ٢٩٨٣ [١٧٥ ١٢٢٨.