للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأقرب شيء للتعليل أن في حلق الرأس حال الإحرام إسقاطاً للنسك الذي هو حلْقُه عند التحلل؛ وهذا لا يساويه حلق بقية الشعر، أو تقليم الأظافر؛ ولكن نظراً لأن جمهور أهل العلم ألحقوا ذلك بشعر الرأس فالاحتياط تجنب ذلك مراعاة لقول الجمهور.

١٦ - ومن فوائد الآية: أن المحرَّم ما يسمى حلقاً؛ فأما أخذ شعرة، أو شعرتين، أو ثلاث شعرات من رأسه فلا يقال: إنه حلق؛ وهذه المسألة مما تنازع فيها أهل العلم؛ فقال بعضهم: إذا أخذ شعرة واحدة من رأسه فقد حلق؛ فعليه فدية إطعام مسكين؛ وإن أخذ شعرتين فإطعام مسكينين؛ وإذا أخذ ثلاث شعرات فدم؛ أو إطعام ستة مساكين: لكل مسكين نصف صاع؛ أو صيام ثلاثة أيام؛ وقال بعض العلماء: إن الحكم يتعلق بربع الرأس؛ فإن حلق دون الربع فلا شيء عليه؛ وهذا لا شك أنه تحكم لا دليل عليه؛ فلا يكن صحيحاً؛ بل هو ضعيف؛ وقال آخرون: تتعلق الفدية بما يماط به الأذى؛ ومعنى يماط: يزال؛ أي بما يحصل به إزالة الأذى؛ وهذا لا يكون إلا بجزء كبير من الرأس؛ قالوا: لأن الله تعالى قال: {فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه ففدية ... }؛ فدل هذا على أن المحرَّم الذي تتعلق به الفدية هو ما يماط به الأذى؛ وهذا مذهب مالك؛ وهو صحيح من حيث أنَّ الفدية لا تجب إلا بما يماط به الأذى فقط؛ لكنه غير صحيح من كون التحريم يتعلق بما يماط به الأذى فقط؛ فالتحريم يتعلق بما يسمى حلقاً؛ والفدية تتعلق بما يماط به الأذى.

فإن قال قائل: ما هو دليلكم على هذا التقسيم؛ فالعلماء لم يقولوا هذا الكلام؟

فالجواب: أن نقول: دليلنا على هذا التقسيم الآية الكريمة، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله}؛ هذا عام لكل حلق؛ فكل ما يسمى حلقاً فإنه منهي عنه لهذه الآية؛ ثم قال تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه ففدية}؛ فأوجب الفدية فيما إذا حلق حلقاً يزول به الأذى؛ لقوله تعالى: {أو به أذًى}؛ فلو قدرنا محرِماً رأسه تؤذيه الهوام، فحلق منه شيئاً يسيراً لا يزول به الأذى فلا فدية عليه؛ لأن الله تعالى إنما أوجب الفدية بحلق ما يزول به الأذى؛ ويدل لذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم: فقد احتجم وهو محرم في يافوخه في أعلى رأسه (١)؛ ومعلوم أن الحجامة تحتاج إلى حلق الشعر الذي يكون في موضع الحجامة؛ ولم ينقل أن الرسول صلى الله عليه وسلم افتدى؛ فدل ذلك على أن ما تتعلق به الفدية هو ما يماط به الأذى دون الشيء اليسير.

١٧ - ومن فوائد الآية: أنه لا يجوز الحلق إلا بعد النحر؛ لقوله تعالى: {حتى يبلغ الهدي محله}؛ وإلى هذا ذهب كثير من أهل العلم مستدلين بقوله (ص): «إني لبدت رأسي وقلدت هديي؛ فلا أحل حتى أنحر» (٢)؛ وهؤلاء الذين قالوا به عندهم ظاهر الآية الكريمة؛ وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال: «فلا أحل حتى أنحر»؛ لكن قد وردت الأحاديث بجواز التقديم، والتأخير تيسيراً على الأمة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل في يوم العيد عن التقديم، والتأخير؛ فما سئل عن شيء قدِّم ولا أخِّر إلا قال (ص): «افعل ولا حرج» (٣).

١٨ - ومن فوائد الآية: جواز حلق الرأس للمرض، والأذى؛ لقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه ... } إلخ.

١٩ - ومنها: وجوب الفدية على المحرم إذا حلق رأسه؛ وهي إما صيام ثلاثة أيام؛ وإما إطعام ستة مساكين: لكل مسكين نصف صاع؛ وإما ذبح شاة تفرق على الفقراء - كما بينت ذلك السنة -؛ والسنة تبين القرآن، كما


(١) أخرجه البخاري ص ١٤٤، كتاب جزاء الصيد، باب ١١: الحجامة للمحرم، حديث رقم ١٨٣٦، وأخرجه مسلم ص ٨٧٥، كتاب الحج، باب ١١: جواز الحجامة للمحرم، حديث رقم ٢٨٨٦ [٨٨ ١٢٠٣.
(٢) أخرجه البخاري ص ١٢٣ - ١٢٤، كتاب الحج، باب ٣٤: التمتع والقران، والإفراد ... ، حديث رقم ١٥٦٦، وأخرجه مسلم ص ٨٨٣، كتاب الحج، باب ٢٥: بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد، حديث رقم ٢٩٨٤ [١٧٦] ١٢٢٩.
(٣) أخرجه البخاري ص ١٠، كتاب العلم، باب ٢٣: الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها حديث رقم ٨٣، وأخرجه مسلم ص ٨٩٤، كتاب الحج، باب ٥٧: جواز تقديم الذبح على الرمي. حديث رقم ٣١٥٦ [٣٢٧ ١٣٠٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>