٤ - ومن فوائد الآية: الحذر مما يفعله بعض الناس الآن من التساهل في رمي الجمرات، حيث إنهم يوكلون من يرمي عنهم بدون عذر مخالفة لقوله تعالى:{وأتموا الحج والعمرة لله}؛ وعليه فلا يصح رمي الوكيل حينئذ؛ لقوله (صلى الله عليه وسلم): «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»(١) أي مردود عليه؛ أما إذا كان لعذر كالمريض، والخائف على نفسه من شدة الزحام إذا لم يكن وقت آخر للرمي يخف فيه الزحام فلا بأس أن يستنيب من يرمي عنه؛ ولولا ورود ذلك عن الصحابة لقلنا: إن العاجز عن الرمي بنفسه يسقط عنه الرمي كسائر الواجبات، حيث تسقط بالعجز؛ ويدل لعدم التهاون بالتوكيل في الرمي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن لسودة بنت زمعة أن توكل؛ بل أمرها أن تخرج من مزدلفة، وترمي قبل حطمة الناس (٢)؛ ولو كان التوكيل جائزاً لمشقة الزحام لكان الرسول صلى الله عليه وسلم يبقيها معه حتى تدرك بقية ليلة المزدلفة، وتدرك صلاة الفجر فيها، وتدرك القيام للدعاء بعد الصلاة؛ ولا تُحْرَم من هذه الأفعال؛ فلما أذن لها في أن تدفع بليل عُلم بأن الاستنابة في الرمي في هذا الأمر لا يجوز؛ وكذلك لو كان جائزاً لأذن للرعاة أن يوكلوا، ولم يأذن لهم بأن يرموا يوماً، ويدعوا يوماً.
٥ - ومن فوائد الآية: وجوب الإخلاص لله؛ لقوله تعالى:{وأتموا الحج والعمرة لله} يعني أتموها لله لا لغيره؛ لا تراعوا في ذلك جاهاً، ولا رتبة، ولا ثناءً من الناس.
٦ - ومنها: أن الحج، والعمرة يخالفان غيرهما في وجوب إتمام نفلهما؛ لقوله تعالى:{وأتموا}؛ والأمر للوجوب؛ ويدل على أنه للوجوب قوله تعالى:{فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي}، حيث أوجب الهدي عند الإحصار؛ أما غيرهما من العبادات فإن النفل لا يجب إتمامه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أهله ذات يوم فقال:«هل عندكم شيء؟ قالوا: نعم، حيس؛ قال: أرينيه؛ فلقد أصبحت صائماً؛ فأكل»(٣)؛ لكن يكره قطع النفل إلا لغرض صحيح - كحاجة إلى قطعه، أو انتقال لما هو أفضل منه -.
٧ - ومن فوائد الآية: أنه إذا أحصر الإنسان عن إتمام الحج والعمرة فله أن يتحلل؛ ولكن عليه الهدي؛ لقوله تعالى:{فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى}.
٨ - ومنها: أن الله تعالى أطلق الإحصار، ولم يقيده؛ لقوله تعالى:{فإن أحصرتم}؛ لأن الفعل لو بُني للفاعل، وذُكر الفاعل اختص الحكم به؛ فإذا قلت مثلاً:«أقام زيد عمراً» صار المقيم زيداً؛ وإذا قلت:«أقيم عمرٌو» صار عاماً؛ فظاهر الآية شمول الإحصار لكل مانع من إتمام النسك؛ فكل ما يمنع من إتمام النسك فإنه يجوز التحلل به، وعليه الهدي؛ أما الإحصار بالعدو فأظنه محل إجماع فيتحلل بالنص، والإجماع؛ النص: تحلل الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديبية (٤)؛ والإجماع: لا نعلم في هذا مخالفاً؛ وأما الحصر بغير عدو، كمرض، أو كسر، أو ضياع نفقة، أو ما أشبه ذلك مما لا يستطيع معه إتمام الحج، والعمرة؛ فإن العلماء
(١) هذا لفظ الامام البخاري (٢٦٩٧) , وفي رواية الإمام مسلم (١٧١٨): " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ". وإسناده صحيح على شرط الشيخين. يزيد: هو ابن هارون، وإبراهيم أبن سعد: هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. وأخرجه الطيالسي (١٤٢٢)، والبخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨)، وابوداود (٤٦٠٦)، وابن ماجه (١٤)، وأبو يعلى (٤٥٩٤)، وأبو عوانة ٤/ ١٧ - ١٨ و ١٨، وابن حبان (٢٦) و (٢٧)، وابن عدي في "الكامل" ١/ ٢٤٧، والدارقطني في "السنن" ٤/ ٢٢٤ - ٢٢٥، واللالكائي - في "الاعتقاد" (١٩٠) و (١٩١)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٣٥٩) و (٣٦٠) و (٣٦١)، والبيهقي في "السنن" ١٠/ ١١٩، وفى "معرفة السنن والآثار" ١٤/ ٢٣٤، والبغوي في" شرح السنة" (١٠٣) من طرق عن إبراهيم بن سعد، بهذا الإسناد. قال البغوي: هذا حديث متفق على صحته، أخرجاه من أوجه عن إبراهيم ابن سعد. وأخرجه الدارقطني ٤/ ٢٢٥ من طريق سهل بن صقير، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن القاسم، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع في ماله ما ليس في كتاب الله، فهو مردود". قال الدارقطني: قوله: عن الزهري، خطأ قبيح. (٢) راجع صحيح البخاري ص ١٣٢، كتاب الحج، باب ٩٨: من قدم ضعفة أهل بليل ... ، حديث رقم ١٦٨١، وصحيح مسلم ص ٨٩٢، كتاب الحج، باب ٤٩: استحباب تقديم الضعفة من النساء وغيرهن، حديث رقم ٣١١٨ [٢٩٣] ١٢٩٠. (٣) أخرجه مسلم ص ٨٦٢، كتاب الصيام، باب ٣٢ جواز صوم النافلة ... ، حديث رقم ٢٧١٥ [١٧٠] ١١٥٤. (٤) أخرجه البخاري ص ٢١٧ – ٢١٩، كتاب الشروط، باب ١٥: الشروط في الجهاد، والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، حديث رقم ٢٧٣١، ٢٧٣٢.