قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: ١٩٦]، " فَمن استمتع وانتفع بالتقرب إلى الله بالعمرة قبل الانتفاع بتقربه بالحج في أشهره" (١).
قال ابن عثيمين: "أي "فمن أتى بالعمرة متمتعاً بحله منها بما أحل الله له من محظورات الإحرام، إلى ابتداء زمن الحج؛ وهو اليوم الثامن من ذي الحجة" (٢).
قال الصابوني: " أي من اعتمر في أشهر الحج واستمتع بما يستمتع به غير المحرم من الطيب والنساء وغيرها" (٣).
واختلفوا في هذا المتمتع على ثلاثة أقاويل (٤):
أحدها: أنه المُحْصَرُ بالحج، إذا حَلَّ منه بالإحصار، ثم عاد إلى بلده متمتعاً بعد إحلاله، فإذا قضى حجَّه في العام الثاني، صار متمتعاً بإحلالٍ بيْن الإحْرَامَين، وهذا قول الزبير (٥).
والثاني: فمن نسخ حَجَّهُ بعمرة، فاستمتع بعمرة بعد فسخ حَجِّهِ، وهذا قول السدي (٦).
والثالث: فمن قَدِمَ الحرم معتمراً في أشهر الحج، ثم أقام بمكة حتى أحرم منها بالحج في عامِهِ، وهذا قول ابن عباس (٧)، وابن عمر (٨)، ومجاهد (٩)، وعطاء (١٠)، وابن أبي ليلى (١١)، وسعيد بن المسيب (١٢)، والشافعي (١٣)، وهو قول الجمهور.
والأظهر قول الجمهور، قال النحاس مستدلاً لقولهم: "ويدلك على أن حكم غير المحصر في هذا الحكم كالمحصر قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: ١٩٦]، فهذا للمحصر وغيره سواء، وكذلك التمتع" (١٤). والله أعلم.
قوله تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: ١٩٦]، أي: " " فعليه ما تيسّر من الهدي" (١٥).
قال الصابوني: " وهو شاة يذبحها شكراً لله تعالى" (١٦).
قال ابن عثيمين: أي "فعليه ما استيسر من الهدي شكراً لله على نعمة التحلل؛ ويقال في هذه الجملة ما قيل في الجملة التي سبقت في الإحصار" (١٧).
قال صاحب الكشاف: " واستمتاعه بالعمرة إلى وقت الحج: انتفاعه بالتقرّب بها إلى اللَّه تعالى قبل الانتفاع بتقرّبه بالحج. وقيل: إذا حلّ من عمرته انتفع باستباحة ما كان محرّماً عليه إلى أن يحرم من الحج" (١٨).
(١) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٠.
(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٧١.
(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١١٥.
(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٥، وأحكام القرآن لابن العربي: ١/ ١٢٧، والمحرر الوجيز: ٢/ ١١٤ - ١١٦.
(٥) انظر: تفسير الطبري (٣٤١٩)، و (٣٤٢٠)، و (٣٤٢١): ص ٤/ ٨٨ - ٨٩.
(٦) انظر: تفسير الطبري (٣٤٢٧): ص ٤/ ٩٠.
(٧) انظر: تفسير الطبري (٣٤٣٦): ص ٤/ ٩١.
(٨) انظر: تفسير الطبري (٣٤٣٠)، و (٣٤٣١): ص ٤/ ٩٠ - ٩١.
(٩) انظر: تفسير الطبري (٣٤٢٨)، و (٣٤٢٩): ص ٤/ ٩٠.
(١٠) انظر: تفسير الطبري (٣٤٣٢): ص ٤/ ٩١.
(١١) انظر: تفسير الطبري (٣٤٣٣): ص ٤/ ٩١.
(١٢) انظر: تفسير الطبري (٣٤٣٤): ص ٤/ ٩١.
(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٥.
(١٤) معاني القرآن للنحاس: ١/ ١٢٣، وانظر: تفسير للطبري: ٤/ ٨٨، والتحرير والتنوير: ٢/ ٢٢٦، وغيرها.
(١٥) صفوة التفاسير: ١/ ١١٥.
(١٦) صفوة التفاسير: ١/ ١١٥.
(١٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٧١.
(١٨) تفسير الكشاف: ١/ ٢٤١.