فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين السائل عن العمرة؟ فقال: ها أنا ذا. فقال له: الق عنك ثيابك ثم أغتسل واستنشق ما استطعت، ثم ما كنت- يعني صانعا- في حجك، فاصنعه في عمرتك" (١).
والثاني: وقال مقاتل بن سليمان: إن" أهل الجاهلية كانوا يشركون في إحرامهم. فأمر الله- عز وجل- النبي- صلى الله عليه وسلم- والمسلمين أن يتموهما لله فقال: وأتموا الحج والعمرة لله وهو ألا يخلطوهما بشيء" (٢).
والثالث: قال القرطبي: " أن العرب كانت تقصد الحج للاجتماع والتظاهر والتفاضل والتنافر وقضاء الحاجة وحضور الأسواق، وكل ذلك ليس لله فيه طاعة، ولا حظ بقصد، ولا قربة بمعتقد. فأمر الله سبحانه وتعالى بالقصد إليه لأداء فرضه وقضاء حقه، ثم سامح في التجارة" (٣).
والرابع: أخرج الواحدي "عن كعب بن عجرة قال: "فيّ نزلت هذه الآية: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه} وقع القمل في رأسي فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " احلق وافده صيام ثلاثة أيام، أو النسك، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين صاع" (٤).
قال ابن حجر: " ثم اختلف في سَنَتِه (٥) فالجمهور على أنها سنة ست (٦)؛ لأنها نزلت فيها {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}(٧)، وهذا ينبني على أن المراد بالإِتمام ابتداء الفرض (٨)، ويؤيده قراءة علقمة (٩)(١٠) ومسروق (١١)(١٢)
(١) تفسير ابن أبي حاتم (١٧٦١): ص ١/ ٣٣٤، وقال ابن كثير: حديث غريب وسياق عجيب ١/ ٣٣٤. وقال ابن حجر: "وهذا الحديث رواته ثقات لكن وقع في سياق السند وهم فإنه في الصحيح من طريق عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه فسقط من هذه الرواية كلمتان قوله: "ابن يعلى" وقوله: "عن أبيه" فصار ظاهره أنه من مسند صفوان بن أمية وهو ابن خلف الجمحي وإنما هو من رواية صفوان بن يعلى بن أمية التميمي، وقد أخرجه البخاري والنسائي من طرق عن عطاء وليس عند أحد منهم ذكر نزول هذه الآية في هذه القصة". [العجاب: ١/ ٤٨٦، وانظر: "صحيح البخاري" كتاب "الحج" باب غسل الخلوق "الفتح" "٣/ ٣٩٣ "، وكتاب "العمرة" باب يفعل بالعمرة ما يفعل بالحج "الفتح" "٣/ ٦١٤" وفي مواضع أخرى و"صحيح مسلم" أول، كتاب الحج" "٢/ ٨٣٦ - ٨٣٨" و"سنن أبي داود" "المناسك" باب الرجل يحرم في ثيابه "٢/ ١٦٤ - ١٦٥"، و"جامع الترمذي" كتاب "الحج" باب ما جاء في الذي يحرم وعليه قميص أوجبه "٣/ ١٩٦ - ١٩٧"، "سنن النسائي" كتاب "المناسك"، الجبة في الإحرام "٥/ ١٣٠ - ١٣١" ورواه في الكبرى أيضًا كما في "التحفة" "٩/ ١١٠ - ١١٢". هذا وقد قال الحافظ في "الفتح" "٣/ ٦١٤": "ولم أقف في شيء من الروايات على بيان المنزل حينئذ من القرآن وقد استدل به جماعة من العلماء على أن من الوحي ما لا يُتلى، لكن وقد وقع عند الطبراني في الأوسط من طريق أخرى أن المنزل حينئذ قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّه} ووجه الدلالة منه على المطلوب عموم الأمر بالإتمام، فإنه يتنازل الهيئات والصفات". ولم يذكر رواية ابن أبي حاتم وقد ذكرها هنا فكأنه ذهل عنها. ومما يلاحظ أنه لم يشر هنا إلى حديث الطبراني! ". [انظر: حاشية العجاب: ١/ ٤٨٦ - ٤٨٧]. (٢) وذكره القرطبي في تفسيره: ٢/ ٣٦٩. وذكره ابن حجر في العجاب عن القرطبي عن مقاتل. والصحيح أن القرطبي لم ينسب الكلام الى مقاتل، انظر: العجاب: ١/ ٤٨٧. (٣) القرطبي في تفسيره: ٢/ ٣٦٩. (٤) أسباب النزول: ٥٩، والعجاب: ١/ ٤٨٨. (٥) أي: في سنة فرضه؛ والمراد: الحج، قال ابن حجر في الفتح: ٣/ ٤٤٢ (واختلف هل هو على الفور أو التراخي؟ وهو مشهور، وفي وقت ابتداء فرضه، فقيل: قبل الهجرة، وهو شاذ، وقيل: بعدها، ثم اختلف في سنته: فالجمهور على أنها سنة ست ... ). (٦) هذا أحد الأقوال في المسألة، وفي نسبته إلى الجمهور نظر، فمن قال: يجب على التراخي والمراد بالإتمام: ابتداء الفرض، وهم الشافعية ومن وافقهم من أهل المذاهب قالوا: كان الفرض سنة ست بهذه الآية، ومن قال: يجب على الفور والمراد بالإتمام: الإكمال بعد الشروع، وهم جل أهل المذاهب قالوا: كان الفرض أواخر سنة تسع بقوله-عز وجل-: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: ٩٧]، ولكن الذي ينبغي أن لا يختلف فيه أن هذه الآية تدل على مشروعية الحج والعمرة، سواء قلنا بدلالتها على الفرض أم عدم دلالتها. انظر: فتح القدير لابن الهمام: ٢/ ٣٢٣ - ٣٢٥، الذخيرة للقرافي: ٣/ ١٨١، معرفة السنن والآثار للبيهقي: ٣/ ٤٩٠ - ٤٩١، عمدة القاري للعيني: ٩/ ١٢٢، وغيرها. (٧) لا خلاف بين أهل العلم على أن هذه الآية نزلت سنة ست في عمرة الحديبية حين صد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة، وقد حكى الاتفاق على ذلك جماعة منهم: ابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ١١٩ - ١٢٠، وابن عاشور في التحرير والتنوير: ٢/ ٢١٦، والشنقيطي في أضواء البيان ٥/ ١٠٩ - ١١٠، وجزم بذلك ابن القيم في زاد المعاد: ٢/ ١٠١ و ٣/ ٥٩٥، وابن الهمام في فتح القدير: ٢/ ٣٢٥، وابن عابدين في حاشيته: ٣/ ٤٥٠ - ٤٥١، والقرافي في الذخيرة: ٣/ ١٨١، والماوردي في الحاوي الكبير: ٤/ ٢٤ - ٢٥، وغيرهم. (٨) قال به جماعة منهم: الفخر الرازي في مفاتيح الغيب: ٥/ ١٥٠ - ١٥١، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ١٠٦. (٩) هو: أبو شبل علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك النخعي الكوفي، تابعي أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، إمام حافظ، ثقة ثبت، فقيه عابد، عالم الكوفة ومقرؤها، لازم ابن مسعود، وكان أعلم الناس به وأشبههم بسمته وهديه، توفي عام: ٦٢ هـ. انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: ٦/ ٤٠٤، الحلية لأبي نعيم: ٢/ ٩١، الكاشف للذهبي: ٢/ ٢٤٢، الإصابة لابن حجر: ٣/ ١١٠. (١٠) جامع البيان للطبري: ٤/ ٧ رقم: ٣١٨٧، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٧٢. (١١) هو: أبو عائشة مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي الكوفي، تابعي أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، إمام حافظ، فقيه مقرئ، عابد من كبار أصحاب ابن مسعود، توفي عام: ٦٣ هـ، وقيل قبلها. انظر: تاريخ بغداد للخطيب: ١٣/ ٢٣٢، سير أعلام النبلاء للذهبي: ٤/ ٦٣، الإصابة لابن حجر: ٣/ ٤٩٢. (١٢) لم أجد قراءته في جامع البيان للطبري: ٤/ ٧ - ٢١، وقد أوردها عنه القسطلاني في إرشاد الساري: ٤/ ٥، والشوكاني في نيل الأوطار: ٥/ ٣.