أحدها: أخرج الطبري عن عامر: "أن الأنصارَ كان احتبس عليهم بعضُ الرزق، وكانوا قد أنفقوا نَفقاتٍ، قال: فَساءَ ظنُّهم وأمسكوا. قال: فأنزل الله: {وأنفقوا في سَبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، قال: وكانت التهلكة سوء ظنهم وإمساكهم" (١).
والثاني: أخرج الواحدي "عن النعمان بن بشير في قول الله - عز وجل - {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال: كان الرجل يذنب الذنب فيقول: لا يغفر لي، فأنزل الله هذه الآية" (٢).
والثالث: أنها نزلت في الإنفاق من الحرام، قاله: عكرمة (٣).
والرابع: أنها نزلت في اقتحام معسكر العدو الذي لا طاقة لهم به (٤).
والخامس: أنها نزلت في الإسراف بإنفاق المال، قاله: أبو علي (٥).
والسادس: أنها نزلت في إحباط العبد عمله بالمن أو الرياء والسمعة (٦).
والأظهر أن الآية نزلت في النفقة، لكن لفظ (التهلكة) عام يشمل جميع ما يصلح لذلك، والله أعلم.
قوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: ١٩٥]، " أي أنفقوا في الجهاد وفي سائر وجوه القربات" (٧).
قال المراغي: " أي وابذلوا المال في وسائل الدفاع عن بيضة الدين، فاشتروا السلاح والكراع وعدد الحرب التي لعدوكم مثلها إن لم تزيدوا عليه حتى لا يكون له الغلب عليكم" (٨).
قال ابن عثيمين: أي: " ابذلوا الأموال في الجهاد في سبيل الله؛ ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعم من الجهاد ليشمل كل ما يقرب إلى الله عز وجل، ويوصل إليه" (٩).
و(سبيل الله): "طاعته (١٠)، والسبيل في الأصل: الطريق (١١)، ويذكر ويؤنث (١٢)، والتأنيث أكثر (١٣)، وسبيل الله: عام يقع على كل عمل خالص أريد به التقرب إلى الله تعالى بأنواع الطاعات (١٤)، وإذا أطلق أريد به الجهاد غالباً" (١٥).
(١) تفسير الطبري (٣١٥٣): ص ٣/ ٥٨٥.
(٢) أسباب النزول: ٥٧، وأخرجه الطبراني (مجمع الزوائد: ٦/ ٣١٧) وابن جرير (٢/ ١١٨) وابن المنذر وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي (فتح القدير: ١/ ١٩٤) عن النعمان رضي الله عنه به.
وصححه الهيثمي (مجمع الزوائد: ٦/ ٣١٧) والحافظ ابن حجر (فتح الباري: ٨/ ١٨٥)، ويشهد له: ما أخرجه الحاكم (المستدرك: ٢/ ٢٧٥) والترمذي وابن مردوية (تفسير ابن كثير: ١/ ٢٢٩) عن البراء رضي الله عنه نحوه. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٣٦٣، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٧٠.
(٤) انظر: أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ١١٦، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢٥٣، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٧٠.
(٥) انظر: البحر المحيط: ٢/ ٧٠.
(٦) انظر: البحر المحيط: ٢/ ٧٠.
(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١١٣.
(٨) تفسير المراغي: ٢/ ٩٣.
(٩) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٨٩.
(١٠) انظر: تفسير للقرطبي: ٢/ ٣٦٢.
(١١) انظر: تهذيب اللغة للأزهري: ١٢/ ٤٣٦، لسان العرب لابن منظور: ٣/ ١٩٣٠، الصحاح للجوهري: ٥/ ١٧٢٤، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ٣/ ١٣٠، الزاهر لابن الأنباري: ٢/ ١٩٧، المفردات للراغب: ٢٢٣ وزاد: الذي فيه سهولة.، معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٦٥، مفاتيح الغيب للرازي: ٥/ ١٤٦، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٠٣.
(١٢) مثال التذكير قوله-عز وجل-: {وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا} [الأعراف: ١٤٦] ومثال التأنيث قوله-عز وجل-: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} [يوسف: ١٠٨]. انظر: لسان العرب لابن منظور: ٣/ ١٩٣٠، تهذيب اللغة للأزهري: ١٢/ ٤٣٦، الصحاح للجوهري: ٥/ ١٧٢٤، الزاهر لابن الأنباري: ٢/ ١٩٦، المذكر والمؤنث له أيضاً: ١/ ٣٩٤.
(١٣) نص على ذلك ابن الأثير في: النهاية في غريب الحديث: ٢/ ٣٣٨ - ٣٣٩، وذكر ذلك عنه ابن منظور في: لسان العرب: ٣/ ١٩٣٠، والزبيدي في: تاج العروس: ١٤/ ٣٢٥.
(١٤) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٦٥. مفاتيح الغيب للرازي: ٥/ ١٤٦ معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢١٥، لسان العرب لابن منظور: ٣/ ١٩٣٠.
(١٥) الهدي: ١٣٦. وانظر: المصادر السابقة في الهامش السابق وكلام الحافظ هنا قريب من عبارة ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث: ٢/ ٣٣٨ - ٣٣٩.