قال الطبري: ": وإنما سمى الله جل ثناؤه ذا القَعدة {الشهرَ الحرام}، لأن العرب في الجاهلية كانت تحرِّم فيه القتال والقتل، وتضع فيه السلاح، ولا يقتل فيه أحدٌ أحدًا، ولو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه. وإنما كانوا سموه: ذا القَعدة، لقعودهم فيه عن المغازي والحروب، فسماه الله بالاسم الذي كانت العرب تُسمِّيه به" (١).
قوله تعالى: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} [البقرة: ١٩٤]، أي: "وكل حرمة يجرى فيها القصاص" (٢).
قال النسفي: "فحين هتكوا حرمة شهركم فافعلوا بهم نحو ذلك " (٣).
قال المراغي: " أي يجب مقاصة المشركين على انتهاك حرمة الشهر الحرام بمقابلتهم بالمثل، ليكون شهر بشهر جزاء وفاقا، فهم قد انتهكوا حرمة شهركم بالصدّ عن البيت الحرام وفيه تعرّض للقتال، فافعلوا بهم مثله، وادخلوا عليهم مكة عنوة وقهرا، فإن منعوكم في هذه السنة عن قضاء العمرة وقاتلوكم فاقتلوهم" (٤).
قال البيضاوي: " احتجاج عليه، أي كل حرمة وهو ما يجب أن يحافظ عليها يجري فيها القصاص. فلما هتكوا حرمة شهركم بالصد فافعلوا بهم مثله، وادخلوا عليهم عنوة واقتلوهم إن قاتلوكم" (٥).
و(القصاص): هو "المجازاة من جهة الفعل أو القول أو البَدن، وهو في هذا الموضع من جهة الفعل" (٦).
قال ابن عثيمين: "والمراد بـ (الحرم) كل ما يحترم من زمان، أو مكان، أو منافع، أو أعيان؛ لأن «حُرُم» جمع حرام؛ و «حرمات» جمع حُرُم؛ فالمعنى: أن المحترم يقتص منه بمحترم آخر؛ ومعنى ذلك أن من انتهك حرمة شيء فإنه تنتهك حرمته: فمن انتهك حرمة الشهر انتهكت حرمته في هذا الشهر؛ ومن انتهك عِرض مؤمن انتهك عِرض مثله؛ ومن انتهك نفس مؤمن فقتله انتهكت حرمة نفسه بقتله؛ وهكذا، وكل هذا التأكيد من الله عز وجل في هذه الآيات من أجل تسلية المؤمنين؛ لأن المؤمنين لا شك أنهم يحترمون الأشهر الحرم والقتال فيها؛ ولكن الله تعالى سلاهم بذلك بأن الحرمات قصاص؛ فكما أنهم انتهكوا ما يجب احترامه بالنسبة لكم فإن لكم أن تنتهكوا ما يجب احترامه بالنسبة إليهم؛ ولهذا قال تعالى مفرعاً على ذلك: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} " (٧).
قال القرطبي: كان في أول الإسلام: إن من انتهك حرمتك نلت منه مثل ما اعتدى عليك، ثم نسخ ذلك بالقتال، وقالت طائفة: ما تناولت الآية من التعدي بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم والجنايات ونحوها لم ينسخ" (٨).
قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: ١٩٤]، أي: فمن تجاوز عليكم" بالقتالِ في الحرمِ، فكافئوه وقاتلوهُ كمثلِ ما فعلَ" (٩).
قال ابن عثيمين: أي "من تجاوز الحد في معاملتكم سواء كان ذلك بأخذ المال، أو بقتل النفس، أو بالعرض، أو بما دون ذلك، أو أكثر، فاعتدوا عليه بمثله" (١٠).
(١) تفسير الطبري: ٣/ ٥٧٨.
(٢) تفسير الكشاف: ١/ ٢٣٧.
(٣) تفسير النسفي: ١/ ١٠٨.
(٤) تفسير المراغي: ٢/ ٩٢.
(٥) تفسيرالبيضاوي: ١/ ١٢٨.
(٦) تفسير الطبري: ٣/ ٥٧٩.
(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥.
(٨) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٥٤.
(٩) تفسير الطبراني: ١/ ١٣٦.
(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٨٥.