للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الثاني: {ولا تَقْتلوهم عند المسجد الحرامَ حتى يَقْتلوكم فيه فإن قَتلوكم فاقتلوهم}، كلها بغير ألف. وهي قراءة حمزة والكسائي.

والمعنى: "ولا تبدأوهم بقتل حتى يبدأوكم به" (١).

وقوله {فاقتلوهم} في نفس الآية فإن هذه وحدها بغير ألف باتفاق منهم (٢).

قال الواحدي: " وجاز ذلك، وإن وقع القتل ببعض دون بعض؛ لأن العرب تقول: قتلنا بني تميم، وإنما قتلوا بعضهم" (٣).

قال حمزة الزيات: "قلت للأعمش: أرأيت قراءتك: {ولا تَقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يَقتلوكم فيه فإن قَتلوكم فاقتلوهم كذلك جَزاءُ الكافرين فإن انتهوا فإن الله غفورٌ رَحيم}، إذا قَتلوهم كيف يقتلونهم؟ قال: إن العرب إذا قُتل منهم رجل قالوا: " قُتلنا وإذا ضُرب منهم رجل قالوا: " ضربنا " (٤).

والقراءة الأولى هي الأقرب إلى الصواب، " لأن الله تعالى ذكره لم يأمر نبيَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه في حالٍ إذا قاتلهم المشركون بالاستسلام لهم حتى يَقتلوا منهم قتيلا بعد ما أذن لَهُ ولهم بقتالهم، فتكونَ القراءة بالإذن بقتلهم بعد أن يَقتلوا منهم، أولى من القراءة بما اخترنا. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنه قد كان تعالى ذكره أذِن لهم بقتالهم إذا كان ابتداء القتال من المشركين قَبل أن يقتلوا منهم قتيلا وبعد أن يقتلوا منهم قتيلا، وقد نسخ الله تعالى ذكره هذه الآية بقوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة}، وقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [سورة التوبة: ٥] ونحو ذلك من الآيات" (٥).

قوله تعالى: {كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [البقرة: ١٩١]، "أي: هذا الحكم جزاء كل من كفر بالله" (٦).

قال ابن عثيمين: أي: "مثلَ هذا الجزاء - وهو قتل من قاتل عند المسجد الحرام - جزاء الكافرين؛ أي عقوبتهم التي يكافَؤون بها" (٧).

الفوائد:

١ - من فوائد الآية: وجوب قتال الكفار أينما وجِدوا؛ لقوله تعالى: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم}؛ ووجوب قتالهم أينما وجدوا يستلزم وجوب قتالهم في أي زمان؛ لأن عموم المكان يستلزم عموم الزمان؛ ويستثنى من ذلك القتال في الأشهر الحرم: فإنه لا قتال فيها؛ لقوله تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير}؛ وقال بعض أهل العلم: لا استثناء، وأن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ؛ لكن لوجوب قتالهم شروط؛ من أهمها القدرة على ذلك.

٢ - ومنها: أن نخرج هؤلاء الكفار، كما أخرجونا؛ المعاملة بالمثل؛ لقوله تعالى: {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم}؛ ولهذا قال العلماء: إذا مثّلوا بنا مثّلنا بهم؛ وإذا قطعوا نخيلنا قطعنا نخيلهم مثلاً بمثل سواءً بسواء.

٣ - ومنها: الإشارة إلى أن المسلمين أحق الناس بأرض الله؛ لقوله تعالى: {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم}، وقال تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون * إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين} [الأنبياء: ١٠٥، ١٠٦]، وقال موسى لقومه: {استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} [الأعراف: ١٢٨].

٤ - ومنها: أن الفتنة بالكفر، والصد عن سبيل الله أعظم من القتل.


(١) تفسير الطبري: ٣/ ٥٦٦.
(٢) انظر: السبعة: ١٨٠.
(٣) التفسير البسيط: ٣/ ٦٢٦.
(٤) تفسير الطبري (٣١٠٩): ص ٣/ ٥٦٨.
(٥) تفسير الطبري: ٣/ ٥٦٨ - ٥٦٩.
(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١١٢.
(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٧٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>