للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقاتلوا -أيها المؤمنون- لنصرة دين الله الذين يقاتلونكم، ولا ترتكبوا المناهي من المُثْلة، والغُلول، وقَتْلِ من لا يحل قتله من النساء والصبيان والشيوخ، ومن في حكمهم. إن الله لا يحب الذين يجاوزون حدوده، فيستحلون ما حرَّم الله ورسوله.

في سبب نزول الآية: قا الواحدي: " قال الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس: نزلت هذه الآيات في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما صد عن البيت هو وأصحابه، نحر الهدي بالحديبية، ثم صالحه المشركون على أن يرجع عامه، ثم يأتي القابل على أن يخلوا له مكة ثلاثة أيام، فيطوف بالبيت ويفعل ما شاء، وصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام، في الحرام فأنزل الله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} يعني قريشا" (١).

اختلف أهل التفسير في في حكم هذه الآية، على قولين (٢):

أحدهما: أنها أول آية نزلت بالمدينة في قتال المشركين، أُمِرَ المسلمون فيها بقتال مَنْ قاتلهم من المشركين، والكف عمن كف عنهم، ثم نُسِخَتْ بسورة براءة، وهذا قول الربيع (٣)، وابن زيد (٤).

والثاني: أنها ثابتة في الحكم، أُمِرَ فيها بقتال المشركين كافة، والاعتداء الذي نهوا عنه: قتل النساء والولدان، وهذا قول ابن عباس (٥)، ومجاهد (٦)، وعمر بن عبد العزيز (٧).

والراجح هو القول الثاني، أي أن الآية محكمة ولم تنسخ، واختاره جمهور أهل التفسير، وقد اختاره أبو جعفر النحاس فقال: "وهذا أصح القولين في السنة والنظر (٨):

فأما السنة: فحديث ابن عمر: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة فكره ذلك، ونهى عن قتل النساء والصبيان (٩).


(١) أسباب النزول: ٥٥.
(٢) انظر: الناسخ والمنسوخ: ١٠٧، والنكت والعيون: ١/ ٢٥١، وتفسير الطبري: ٣/ ٥٦١.
(٣) انظر: تفسير الطبري (٣٠٨٩): ص ٣/ ٥٦١ - ٥٦٢.
(٤) انظر: تفسير الطبري (٣٠٩٠): ص ٣/ ٥٦٢.
(٥) انظر: تفسير الطبري (٣٠٩٤): ص ٣/ ٥٦٣.
(٦) انظر: تفسير الطبري (٣٠٩٢)، (٣٠٩٣): ص ٣/ ٥٦٢.
(٧) انظر: تفسير الطبري (٣٠٩٥): ص ٣/ ٥٦٣.
(٨) انظر: الناسخ والمنسوخ: ١ - ٧ - ١٠٨، ونقله القرطبي في تفسيره بتصرف: انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣٤٨.
(٩) جاء في الصَّحيحَين عن نافع: أنَّ عبدالله - رضي الله عنه - أخبرَه: أنَّ امرأةً وُجدت في بعض مغازي النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - مقتولة، فأنكر رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قتْلَ النِّساء والصِّبيان". [البخاري (٣٠١٤)، ومسلم (١٧٤٤)].
وفي لفظ: "فنهى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن قتْلِ النِّساء والصِّبيان". [(البخاري (٢٧٩٢)، ومسلم (٣٢٨٠)].
ومثله ما أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح: أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - خرج في غزوة غزاها، وعلى مقدمته خالدُ بن الوليد، فمرَّ أصحابُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على امرأةٍ مقتولة ممَّا أصابتِ المُقدِّمة، فوقفوا ينظرون إليها، ويتعجَّبون من خَلقها، حتى لحقهم رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على راحلته، فانفرجوا عنها، فوقف عليها رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: "ما كانتْ هذه لتقاتِل"، فقال لأحدهم: "الْحقْ خالدًا فقلْ له: لا تقتلوا ذُريَّة، ولا عسيفًا". (أحمد (١٧١٥٨)، وأبو داود (٢٦٦٩).
وقد ذكر المحقِّقون أنَّ هذه الواقعة كانت في غزوة حنين.
ومنها أيضًا: ما رواه مسلم وأبو داود عن سليمان بن بُريدةَ، عن أبيه: أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: "اغزُوا باسم الله، وفي سبيل الله، وقاتِلوا مَن كَفَر بالله، اغزوا ولا تَغدِروا، ولا تَغلُّوا ولا تُمثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا". أخرجه مسلم (١٧٣١)، وأبو داود (٢٦١٣).
وفي رواية عند البيهقي وغيره: "ولا تقتلوا وليدًا طِفلًا، ولا امرأةً، ولا شيخًا كبيرًا". أخرجه البيهقي في الكبرى (١٧٩٣٤).
وفي شرح معاني الآثار للطحاوي بسند صحيح: أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان إذا بعث جيوشَه قال: "لا تقتلوا الوِلْدان"، وفي رواية: "لا تقتلوا شيخًا كبيرًا"، وفي رواية "لا تقتلوا وليدًا ولا امرأةً".شرح معاني الآثار للطحاوي (٣/ ٢٢١).
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: كتب عمر - رضي الله عنه - إلى الأجناد: "لا تقتلوا امرأة ولا صبيًّا".
ومن وصايا أبي بكر لأمراء الجُند: "لا تقتلوا امرأةً، ولا صبيًّا، ولا كبيرًا هَرمًا، ولا تقطعوا شجَرًا مُثمرًا، ولا تُخرِّبُنَّ عامرًا، ولا تَعقرنَّ شاةً ولا بعيرًا إلَّا لمأكلة، ولا تُغرقُنَّ نخلًا ولا تحرقنَّه، ولا تغلل، ولا تجبُن".قال ابن كثير في كتابه إرشاد الفقيه (٢/ ٣٢٠): رُوِيَ هذا عن أبي بكرٍ من وجوه كثيرة.
وعن يَزيد بن هُرْمُز: أنَّ نجدَةَ كتبَ إلى ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - يسأله عن قتْل أطفال المشركين، فكتب إليه ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: "إنَّك كتبتَ إليَّ تسأل عن قتل أطفال المشركين، فإنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لم يقتلْهم، وأنت فلا تقتلْهم، إلَّا أن تعلمَ منهم ما عَلِم الخَضِرُ من الغلام حين قتلَه". أخرجه مسلم (١٨١٢).
فلا يُقتل أحدٌ بذنب غيره، ولا يُؤخذ ابنٌ بجريرة أبيه، أو امرأة بجريرة زوجها، ولا تزر وازرةٌ وزرَ أخرى، وهذا أسمى معاني العدالة والرَّحمة.
روى النسائي بسند صحيح عن مسروق عن عبدالله قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: "لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضرب بعضُكم رِقابَ بعض، ولا يُؤخذ الرَّجل بجريرة أبيه، ولا بجريرة أخيه".أخرجه النسائي (٤١٢٧).
والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة.

<<  <  ج: ص:  >  >>