والثاني: أن المراد: جميع معاني (المباشرة)، من لَمْس وقُبلة وجماع. قاله: مالك بن أنس (١)، وابن زيد (٢).
قال الطبري:"وعلة من قال هذا القول: أن الله تعالى ذكره عمّ بالنهي عن المباشرة، ولم يخصص منها شيئا دون شيء. فذلك على ما عمَّه، حتى تأتي حُجة يجب التسليم لها بأنه عنى به مباشرةً دون مباشرةٍ"(٣).
والصواب هو قول الجمهور، بأن معنى المباشرة: الجماعُ، أو ما قام مقامَ الجماع، مما أوجبَ غسلا إيجابَه، والأظهر-والله أعلم-أن المباشرة جائزة إن كان يأمن على نفسه الوقوع في مفسدات الصوم لحديث عائشة قبل (٤)، وغير جائزة إن كان يغلب على ظنه الوقوع في مفسدات الصوم لأنه يعرض صومه للفساد (٥).
واختاره الطبري فقال:"وذلك أنه لا قول في ذلك إلا أحد قولين: إما جعل حكم الآية عامًّا، أو جَعل حكمها في خاصٍّ من معاني المباشرة. وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن نساءه كنّ يُرجِّلنه وهو معتكف، فلما صح ذلك عنه، عُلم أنّ الذي عنى به من معاني المباشرة، البعض دون الجميع"(٦).
وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف يُدني إليّ رأسه فأرَجِّله" (٧).
(١) انظر: تفسير الطبري (٣٠٥٠): ص ٣/ ٥٤٢. (٢) انظر: تفسير الطبري (٣٠٥١): ص ٣/ ٥٤٣. (٣) تفسير الطبري: ٣/ ٥٤٣. (٤) كما في حديث عائشة في البخاري-فتح-: ٤/ ١٧٦ رقم: ١٩٢٧: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه". . [ورواه مالك في الموطأ، ص ٣١٢، ومسلم ١: ٩٥، وأبو داود: ٢٤٦٧]. والمراد بالمباشرة هنا: دواعي الوطء من ضم ومعانقة ومس ونحو ذلك، وقد ذهب الحنفية كما في المبسوط للسرخسي: ٣/ ٥٨ - ٥٩، وحاشية ابن عابدين: ٣/ ٣٩٦، والشافعية كما في نهاية المحتاج للرملي: ٣/ ١٧٤، ومغني المحتاج للشربيني: ١/ ٤٣١، والحنابلة كما في الكافي لابن قدامة: ١/ ٣٦٠، والإنصاف للمرداوي: ٣/ ٣٢٨، وحاشية الروض المربع لابن قاسم: ٣/ ٤٢٥ إلى جوازها للصائم إن كان يأمن على نفسه الوقوع في مفسدات الصوم-الإنزال أو الجماع-، وإلى كراهتها إن كان لا يأمن. وذهب المالكية كما في المدونة: ١/ ٢٦٨، والذخيرة للقرافي: ٢/ ٥٠٤، ومواهب الجليل للحطاب: ٢/ ٤١٦ إلى كراهتها لمن أمن على نفسه الوقوع في مفسدات الصوم، وإلى حرمتها لمن شك في أمنه أو جزم بعدم الأمن، وذكر القرافي في الذخيرة أن المذهب التسوية في الحرمة بين الحالين. (٥) انظر: أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٩٣ - ٩٤، سبل السلام للصنعاني: ٢/ ٣١١ - ٣١٢، الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين: ٦/ ٤٣٢ - ٤٣٤. (٦) تفسير الطبري: ٣/ ٥٤٣. (٧) رواه مالك في الموطأ، ص: ٣١٢، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة. فزاد في الإسناد " عمرة " بين عروة وعائشة. وكذلك رواه مسلم ١: ٩٥، وأبو داود: ٢٤٦٧ - كلاهما من طريق مالك. وكذلك رواه الترمذي ٢: ٧٢، من طريقه، مع خطأ من الناسخين. وقال أبو داود: " لم يتابع أحد مالكا على " عروة عن عمرة ". ورواه معمر وزياد بن سعد وغيرهما: عن الزهري: عن عروة، عن عائشة ". وقال الترمذي: " هكذا رواه غير واحد: عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة. والصحيح: عن عروة وعمرة، عن عائشة. هكذا روى الليث، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة ". وقال الحافظ في الفتح ٤: ٢٣٦ " واتفقوا على أن الصواب قول الليث، وأن الباقين اختصروا منه ذكر عمرة، وأن ذكر عمرة في رواية مالك - من المزيد في متصل الأسانيد ". وهذا من الحافظ - عندي - تكلف لا داعي له. ومالك، على إمامته وعلمه وحفظه. يخطئ كما يخطئ الناس، فالظاهر أنه نسي في بعض أحيانه، فجعل " عروة عن عمرة " بدل " عروة وعمرة ". وقد ثبت عن مالك أنه كان يرويه أحيانا على الصواب.